إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله

660- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المعجمة، ولابن عساكر: ((ابن بشَّارٍ بُندارٌ)) وهو لقبُ محمَّدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بالتَّصغير، العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الخاء المعجمة ومُوحَّدتين أولاهما مفتوحةٌ،
ج2ص31
بينهما مُثنَّاةٌ تحتيَّةٌ، الأنصاريُّ المدنيُّ (عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) هو ابن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما، وهو جدُّ عبيد الله المذكور لأبيه [1]، كما أنَّ خبيبًا خاله (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: سَبْعَةٌ) من النَّاس (يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ) أي: ظلِّ عرشه (يَوْمَ لَا ظِلَّ) في القيامة ودنوِّ الشَّمس من الخلق [2] (إِلَّا ظِلُّهُ): أحدهم: (الإِمَامُ) الأعظم (الْعَادِلُ) التَّابع لأوامر الله، فيضع كلَّ شيءٍ في موضعه من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، وقُدِّم على تاليه لعموم نفعه، ويلتحق به [3] من وُلِّي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه لحديث: «إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نورٍ عن يمين الرَّحمن، الَّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم [4] وما وَلُوا [5]» رواه مسلمٌ. (وَ) الثَّاني من السَّبعة: (شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ) لأنَّ عبادته أشقُّ، لغلبة شهوته وكثرة الدَّواعي على طاعة [6] الهوى، فملازمة العبادة حينئذٍ أشدُّ وأدلُّ على غلبة التَّقوى، وفي الحديث: «يَعْجَبُ ربُّك من شابٍّ ليست له صَبْوَةٌ».
(وَ) الثَّالث: (رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ) بفتح اللَّام؛ كالقنديل (فِي الْمَسَاجِدِ) من شدَّة حبِّه لها وإن كان جسده خارجًا عنها، وكُنِّيَ به عن انتظار [7] أوقات الصَّلوات، فلا يصلِّي صلاةً في المسجد [8] ويخرج منه إلَّا وهو ينتظر أخرى ليصلِّيها فيه [9]، فهو ملازمٌ للمسجد بقلبه وإن عرض لجسده عارضٌ، وبهذا تحصل المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي [10] والحَمُّويي: ((متعلِّقٌ)) بزيادة مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد الميم مع كسر اللَّام.
(وَ) الرَّابع: (رَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ) أي: لأجله لا لغرضٍ دنيويٍّ (اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) سواءٌ كان اجتماعهما بأجسادهما حقيقة أم لا، وللحَمُّويي والمُستملي [11]: ((اجتمعا على ذلك)) أي: على الحبِّ في الله كالضَّمير في قوله: (وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) أي [12]: استمرَّا على محبَّتهما لأجله تعالى حتَّى فرَّق بينهما الموت، ولم يقطعاها لعارضٍ دنيويٍّ، و«تحابَّا» بتشديد المُوحَّدة، وأصله: تحابَبَا، فلمَّا اجتمع المثلان أُسكِن الأوَّل منهما وأُدغِم في الثَّاني، وليس التَّفاعل هنا كهو في «تجاهل» أي: أظهر الجهل من نفسه، والمحبَّة من نفسه، بل المراد: التَّلبُّس [13] بالحبِّ كقوله: باعدته فتباعد، فهوعبارةٌ عن معنًى حصل عن فعلٍ متعدٍّ، ووقع في رواية حمَّاد بن زيدٍ: «ورجلان قال كلٌّ منهما للآخر: إنِّي أحبُّك في الله فصدرا [14] على ذلك».
(وَ) الخامس: (رَجُلٌ طَلَبَتْهُ ذَاتُ) وفي رواية كريمة: ((طلبته امْرَأَةٌ ذات)) (مَنْصِبٍ) بكسر الصَّاد المهملة؛ أصلٍ أو شرفٍ أو مالٍ (وَجَمَالٍ) حسنٍ للزِّنا (فَقَالَ) بلسانه زجرًا لها عن الفاحشة، أو بقلبه زجرًا لنفسه: (إِنِّي أَخَافُ اللهَ) زاد في رواية كريمة: ((ربَّ العالمين)) والصَّبر عن [15] الموصوفة بما ذكر من الأصل والشَّرف والمال والجمال المرغوب [16] فيها عادةً لعزَّة ما جُمِع فيها من أكمل المراتب وأجلِّ [17] المناصب، لا سيَّما وقد أغنت عن مشاقِّ التَّوصُّل إليها بمراودةٍ ونحوها، وهي [18] رتبةٌ صدِّيقيَّة، ووراثةٌ نبويَّة [19].
(وَ) السَّادس: (رَجُلٌ تَصَدَّقَ) تطوُّعًا حال كونه قد (أَخْفَى) الصَّدقة، ولأحمد: «تصدَّق فأخفى»، وللمؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦1423] كمالكٍ: ((فأخفاها)) فحُمِل على أنَّ راوي الأوَّل حذف العاطف، وللأَصيليِّ: ((تصدَّق إِخفاءً)) بكسر الهمزة والمدِّ، أي: صدقة إخفاءٍ، فنُصِب نعتًا لمصدرٍ محذوف، أو حالًا من الفاعل، أي: مخفيًّا، قال البدر: على تأويل المصدر باسم الفاعل، جُعِل كأنَّه نفس الإخفاء مبالغةً (حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ) جملةٌ في موضع نصبٍ بـ «تعلم»، ذُكِرت [20] للمبالغة في إخفاء الصَّدقة والإسرار بها، وضُرِب المثل بهما لقربهما وملازمتهما، أي: لو قُدِّر أنَّ الشِّمال رجلٌ متيقِّظٌ لَما علم صدقة اليمين [21] للمبالغة في الإخفاء، فهو من مجاز التَّشبيه، أو من مجاز الحذف، أي: حتَّى لا يعلم مَلَكُ شماله، أو حتَّى لا يعلم من على شماله من النَّاس، أو هو من باب تسمية الكلِّ بالجزء، فالمراد بـ «شماله»: نفسه، أي: أنَّ نفسه لا تعلم ما تنفق يمينه، ووقع في «مسلمٍ»: «حتَّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله» ولا يخفى أنَّ الصَّواب ما في «البخاريِّ» لأنَّ السُّنَّة المعهودة إعطاءُ الصَّدقة باليمين لا بالشِّمال، والوهم فيه من أحد رواته، وفي تعيينه خلافٌ، وهذا يسمِّيه أهل الصِّناعة: المقلوب، ويكون في المتن والإسناد.
(وَ) السَّابع: (رَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ) بلسانه أو بقلبه، حال كونه (خَالِيًا) من الخلق لأنَّه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرِّياء، أو خاليًا من الالتفات إلى غير المذكور تعالى، وإن كان
ج2ص32
في ملأٍ، ويدلُّ له رواية البيهقيِّ بلفظ: «ذكر الله بين يديه» (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) من الدَّمع لرقَّة قلبه وشدَّة خوفه من جلاله، أو من [22] مزيد شوقه إلى جماله، والفيض: انصبابٌ عن امتلاءٍ، فوُضِع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جُعِلت العين من فرط البكاء كأنَّها تفيض بنفسها، وذكر الرِّجال في قوله: «ورجلٌ» لا مفهوم له، فتدخل النِّساء، نعم لا يدخلن في الإمامة العظمى، ولا في خصلة ملازمة المسجد لأنَّ صلاتهنَّ في بيتهنَّ أفضل، لكن يمكن في الإمامة حيث يكنَّ ذوات عيالٍ فيعدلن، ولا يُقال: لا يدخلن في خصلة مَنْ دعته امرأةٌ لأنَّا نقول: إنَّه يُتصوَّر [23] في امرأةٍ دعاها ملكٌ جميلٌ [24] مثلًا للزِّنا، فامتنعت خوفًا من الله مع حاجتها، وذكر المتحابين لا يصيِّر العددَ ثمانيًة لأنَّ المراد عدُّ [25] الخصال لا عدُّ المتَّصفين بها، ومفهوم العدد [26] بالسَّبعة لا مفهوم له بدليل ورود غيرها، ففي «مسلمٍ» من حديث أبي اليسر مرفوعًا: «من أنظر معسرًا أو وضع له أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه» وزاد ابن حبَّان، وصحَّحه من حديث ابن عمر: «الغازي»، وأحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيفٍ: «عون المجاهد»، وكذا زاد أيضًا من حديثه: «إرفاد الغارم، وعون المُكاتَب»، والبغويُّ في «شرح السُّنَّة»: «التَّاجر الصَّدوق» [27]، والطَّبرانيُّ من حديث أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ: «تحسين الخُلُق»، ومن تتَّبع دواوين الحديث وجد زيادةً كثيرةً [28] على ما ذكرته، وللحافظ ابن حجرٍ مُؤلَّفٌ سمَّاه [29]: «معرفة الخصال الموصلة إلى الظِّلال»، ويأتي مزيدٌ لذلك _إن شاء الله تعالى_ في «الزَّكاة» [خ¦1423] و«الرِّقاق» [خ¦6479].
ورواته السِّتَّة ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ [30]، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، ورواية الرَّجل عن خاله وجدِّه، وأخرجه في «الزَّكاة» [خ¦1423] وفي [31] «الرِّقاق» [خ¦6479]، ومسلمٌ في «الزَّكاة»، والنَّسائيُّ في «القضاء» [32] و«الرِّقاق».
ج2ص33


[1] «لأبيه»: ليس في (د).
[2] في (م): «الخلائق».
[3] في (ص): «يلحق».
[4] في غير (د) و(م): «وأهلهم».
[5] في هامش (ص): (قوله: «وما وَلُوا» بالتَّخفيف بصيغة المعلوم، ويُروَى: بالتَّشديد على بناء المجهول؛ أي: جُعِلوا والين، قاله ابن مالكٍ في شرح «المشارق»). انتهى.
[6] في (ص) و(م): «على طاعة».
[7] في (م): «انتظاره».
[8] في (م): «يصلِّي جماعة».
[9] في (ص): «فيها».
[10] في (م): «وللمستملي».
[11] في (م): «وللمستملي»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[12] «أي»: ليس في (ب).
[13] في (ص) و(م): «التبس».
[14] في هامش (ص): (قوله: «فصدرا» أي: انصرفا على تلك الحالة). انتهى.
[15] في غير (د): «على».
[16] في (ص): «المُرغَّب».
[17] في (ص): «وأصل».
[18] في (م): «هو».
[19] في هامش (ص): (قوله: «ووارثةٌ نبويَّة»: إشارةً إلى قصَّة يوسف عليه الصلاة والسلام). انتهى.
[20] زيد في (ص): «ذلك».
[21] في (د): «اليمنى».
[22] «من»: مثبتٌ من (م).
[23] في (د): «مُتصوَّرٌ».
[24] في (ص): «جليلٌ».
[25] في (د): «عدد»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[26] في (س): «وتقييد»، وفي هامش (ص): (قوله: «ومفهوم العدد...» إلى آخره؛ كذا في النُّسخ، والأَوْلى أن يقال: وتقييد العدد بالسَّبعة لا مفهوم له). انتهى عجمي.
[27] في (ص): «الصَّادق».
[28] في (م): «كبيرة».
[29] «مُؤلَّفٌ سمَّاه»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[30] في (ص) و(م): «مدنيِّين».
[31] «في»: ليس في (د).
[32] في (د): «الفضائل»، وهو تحريفٌ.