إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: رأيت بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول

799- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ) بضمِّ الميم الأولى وكسر الثَّانية والخفض، صفةٌ لـ «نُعَيْمٍ» وأبيه (عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء، الأنصاريِّ المدنيِّ [1]، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وفي رواية ابن خزيمة: إنَّ عليَّ بن يحيى حدَّثه (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن خلَّادٍ الَّذي حنَّكه رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ) بكسر الرَّاء وتخفيف الفاء وبعد الألف عينٌ مُهمَلةٌ في الأوَّل، وبالرَّاء المفتوحة والفاء [2] في الآخر (الزُّرَقِيِّ) [3] أيضًا أنَّه (قَالَ: كُنَّا يَوْمًا) من الأيَّام (نُصَلِّي) ولأبي ذَرٍّ: ((كنَّا نصلِّي يومًا)) (وَرَاءَ النَّبِيِّ) وللأَصيليِّ: ((وراء رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) المغرب (فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: فلمَّا شرع في رفع رأسه (مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) وأتمَّه في الاعتدال (قَالَ رَجُلٌ) هو رِفَاعة بن رافعٍ، قال في «المصابيح»: وهل هو راوي الحديث أو غيره؟ يحتاج إلى تحريرٍ. انتهى.
قلت: جزم الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه راوي الحديث، وكذا قال ابن بشكوال، وهو في «التِّرمذيِّ»، وإنَّما كنَّى عن نفسه لقصد إخفاء عمله، ونقل البرماويُّ عن ابن منده أنَّه جعله غير راوي الحديث، وأنَّ الحاكم جعله معاذ بن رِفَاعة، فَوَهِمَ في ذلك، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((فقال رجلٌ)): (رَبَّنَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فقال رجلٌ [4] وراءه: ربَّنا)) (وَلَكَ الْحَمْدُ) بالواو (حَمْدًا) منصوبٌ بفعلٍ مُضمَرٍ دلَّ عليه قوله: «لك الحمد» (كَثِيرًا طَيِّبًا) خالصًا عن [5] الرِّياء والسُّمعة (مُبَارَكًا) أي: كثير الخير (فِيهِ) زاد في رواية رفاعة بن يحيى: «كما يحبُّ ربُّنا ويرضى» وفيه من حسن التَّفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد.
(فَلَمَّا انْصَرَفَ) عليه الصلاة والسلام من الصَّلاة (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَنِ الْمُتَكَلِّمُ) بهذه الكلمات؟ زاد رفاعة بن يحيى: «في الصَّلاة»، فلم يتكلَّم أحدٌ، ثمَّ [6] قالها الثَّانية، فلم يتكلَّم أحدٌ، ثمَّ قالها الثَّالثة (قَالَ) رفاعة بن رافع: (أَنَا) المتكلِّم بذلك [7] أرجو الخير، فإن قلت: لِمَ أخَّر رفاعةُ إجابةَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم حتَّى كرَّر سؤاله ثلاثًا، مع وجوب إجابته عليه، بل وعلى غيره ممَّن سمع، فإنَّه عليه الصلاة والسلام عمَّم [8] في [9] السُّؤال، حيث قال: مَنِ المتكلِّم؟ أُجيب: بأنَّه لمَّا لم يعيِّن واحدًا بعينه لم تتعيَّن المبادرة بالجواب مِنَ المتكلِّم، ولا من واحدٍ بعينه، وكأنَّهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقِّه شيءٌ ظنًّا منهم أنَّه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، ويدلُّ له ما في رواية سعيد بن عبد الجبَّار عن رفاعة بن يحيى عند ابن قانعٍ: قال رفاعة: «فوددت أنِّي أُخْرِجْتُ من مالي، وأنِّي لم أشهد مع [10] رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الصَّلاة...» الحديثَ، وكأنَّه عليه الصلاة والسلام لمَّا رأى سكوتهم فَهِم ذلك، فعرَّفهم أنَّه لم يقل بأسًا، ويدلُّ لذلك حديث مالك بن ربيعة عند أبي داود قال: «من القائل الكلمة؟ فلم يقل بأسًا» قال رفاعة بن رافعٍ: أنا المتكلِّم بذلك أرجو الخير (قال) عليه الصلاة والسلام: (رَأَيْتُ بِضْعَةً) بتاء التَّأنيث، وللحَمُّويي والمُستملي: ((بضعًا)) (وَثَلَاثِينَ مَلَكًا) أي: على عدد حروف الكلمات: أربعةً وثلاثين لأنَّ البِضع _بكسر الباء، وتُفتَح_ ما بين الثَّلاث والتِّسع، ولا يختصُّ بما دون العشرين خلافًا للجوهريِّ، والحديث يردُّ عليه، فأنزل الله تعالى بعدد حروف الكلمات ملائكةً، في مقابلة كلِّ حرفٍ مَلَكًا تعظيمًا لهذه الكلمات، وأمَّا ما وقع في حديث أنسٍ عند مسلمٍ فالموافقة [11] فيه _كما أفاده في «الفتح»_ بالنَّظر لعدد الكلمات على اصطلاح النُّحاة، ولفظه: «لقد رأيت اثني عشر ملكًا» (يَبْتَدِرُونَهَا) أي: يسارعون إلى الكلمات المذكورة (أَيُّهُمْ) بالرَّفع، مبتدأٌ خبرُه (يَكْتُبُهَا أَوَّلُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لنيَّة
ج2ص110
الإضافة ويجوز أن يكون مُعرَبًا بالنَّصب على الحال، وهو غير منصرفٍ، والوجهان في فرع «اليونينيَّة» كهي، قال في «المصابيح»: و«أيُّ»: استفهاميَّةٌ، تتعلَّق بمحذوفٍ دلَّ عليه «يبتدرونها»، والتَّقدير: يبتدرونها ليعلموا أيُّهم يكتبها أوَّل؟ أو ينظرون أيُّهم يكتبها؟ ولا يصحُّ أن يكون متعلِّقًا: بـ «يبتدرون» لأنَّه ليس من الأفعال الَّتي تُعلَّق [12] بالاستفهام، ولا ممَّا يُحكَى به.
فإن قلت: والنَّظر أيضًا ليس من الأفعال القلبيَّة، والتَّعليق من خواصِّها، فكيف ساغ لك تقديره؟ وأجاب بأنَّ في كلام ابن الحاجب وغيره من المحقِّقين ما يقتضي أنَّ التَّعليق لا يخصُّ أفعال القلوب المتعدِّية إلى اثنين، بل يخصُّ كلَّ قلبيٍّ وإن تعدَّى إلى واحدٍ، كـ «عرف»، والنَّظر ههنا يُحمَل على نظر البصيرة، فيصحُّ تعليقه، واقتصر الزَّركشيُّ _حيث جعلها استفهاميَّةً_ على أنَّ المُعلَّق هو «يبتدرون» وإن لم يكن قلبيًّا، وهذا مذهبٌ مرغوبٌ عنه. انتهى. ويجوز نصب «أيُّهم» بتقدير: «ينظرون»، والمعنى: أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر، ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون، وفيه: رواية الأكابر عن الأصاغر لأنَّ نُعَيْمًا أكبرُ سنًّا من عليِّ بن يحيى، وأقدم سماعًا منه، وفيه: ثلاثةٌ من التَّابعين، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه أبو داود والنَّسائيُّ.
ج2ص111


[1] «المدنيِّ»: ليس في (د).
[2] في غير (ص) و(م): «بالفاء».
[3] في (د): «الزُّوقيِّ»، وهو تحريفٌ.
[4] زيد في غير (د) و(س): «من».
[5] في (م): «من».
[6] في (م): «حتَّى».
[7] «بذلك»: ليس في (د).
[8] في (م): «عمَّ».
[9] «في»: مثبتٌ من (ص).
[10] في (ص): «من».
[11] في (د): «فالواقعة»، وهو تحريفٌ.
[12] في (م): «تتعلَّق».