إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إذا أمن الإمام فأمِّنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين

780- وبه قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) أي: ابن أنسٍ الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((أنَّ رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ) أي: إذا أراد الإمام التَّأمين؛ أي [1]: أن يقول: «آمين» بعد قراءة الفاتحة (فَأَمِّنُوا) فقولوا: «آمين» مقارنين له كما قاله الجمهور، وعلَّله إمام الحرمين: بأنَّ التَّأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخَّر عنه [2]، وظاهر قوله: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا» أنَّ المأموم إنَّما يؤمِّن إذا أمَّن الإمام، لا إذا ترك، وبه قال بعض الشَّافعيَّة، وهو مقتضى إطلاق الرَّافعيِّ الخلاف، وادَّعى النَّوويُّ الاتِّفاق على خلافه، ونصَّ الشَّافعيُّ في «الأمِّ» على أنَّ المأموم يؤمِّن ولو ترك الإمام عمدًا أو سهوًا، واستدلَّ به على مشروعيَّة التَّأمين للإمام، قِيلَ: وفيه نظرٌ لكونها قضيَّةٌ شرطيَّةٌ، وأُجيب: بأنَّ التَّعبير بـ «إذا» يشعر بتحقُّق الوقوع. وخالف مالكٌ في إحدَى الرِّوايتين عنه؛ وهي [3] رواية ابن القاسم، فقال: لا يُؤمِّن الإمامُ في الجهريِّة، وفي رواية عنه: لا يؤمِّن مطلقًا، وأوَّلوا قوله: إذا أمَّن الإمامُ بدعاء الفاتحة من قوله: {اهْدِنَا} إلى آخره، وحينئذٍ فلا يؤمِّن الإمامُ لأنَّه داعٍ، قال القاضي أبو الطَّيِّب: هذا غلطٌ، بل الدَّاعي أولى بالاستيجاب، بل استبعد ابن العربيِّ تأويلَهم لغةً وشرعًا، وقال: الإمام أحد الدَّاعين وأوَّلُهم وأولاهم. انتهى. وقد ورد التَّصريح بأنَّ الإمام يقولها في رواية مَعْمَر عن ابن شهاب عند أبي داود والنَّسائيِّ، ولفظه: «إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين» (فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) زاد الجرجانيُّ في «أماليه»، عن أبي العباس الأصمِّ، عن بحرِ بنِ نصرِ، عن ابنِ وهبِ عن يونسَ: «وما تأخَّر» لكن قال الحافظ ابن حجر: إنَّها زيادة شاذَّة، وظاهره يشمل الصَّغائر والكبائر، لكن قد ثبت أنَّ «الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» فإذا كانت الفرائض لا تكفر الكبائر، فكيف تكفَّرها سنَّة التَّأمين إذا وافقت التَّأمين؟! وأُجِيْبَ: بأنَّ المُكفِّر ليس التَّأمين الَّذي هو فعل المؤمِّن، بل وِفَاقُ الملائكة، وليس ذلك إلى صنعه، بل فضل من الله تعالى، وعلامة على سعادة من وافق، قاله التَّاج ابن السُّبكيِّ في «الأشباه والنَّظائر»، والحقُّ أنَّه عامٌّ خُصَّ منه ما يتعلَّق بحقوق النَّاس، فلا تُغفَر بالتَّأمين للأدلَّة فيه، لكنَّه [4] شاملٌ للكبائر كما تقدَّم، إلَّا أن [5] يَدَّعي خروجها بدليلٍ آخر، وفي كلام ابن المُنَيِّر ما يُشِيْرُ إلى أنَ المُقْتَضِي للمغفرة هو مُرَاقَبَةُ [6] المأموم لوظيفة التَّأمين، وإيقاعُه في محلِّه على ما يَنْبَغِي، كما هو شأن الملائكة، فذكر موافقتهم ليس لأنَّه سبب للمغفرة،
ج2ص99
بل للتَّنبيه على المُسَبِّبِ، وهو مماثلتُهم في الإقبال والجدِّ، وفعل التَّأمين على أكملِ وجهٍ. انتهى. وهو مُعارَضٌ بما [7] في «الصَّحيحين» [خ¦781] من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا قال أحدُكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، ووافقت إحداهما الأخرى غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» فدلَّ على أنَّ المُرَادَ المُوافَقَة في القول والزَّمان، لا في الإخلاص والخشوع وغيرهما مما ذكر، وهل المراد بالملائكة الحَفَظَة، أو الَّذين يتعاقبون منهم [8]؟ أو الأولى حمله على الأعمِّ لأنَّ اللَّام للاستغراق، فيقولها الحاضر منهم ومن فوقهم إلى الملأ الأعلى؟ والظَّاهر الأخير، وبالسَّند المتصل برواية مالك (قَالَ ابْنُ شِهَاب) الزُّهريُّ: (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَقُولُ: آمِينَ) بيَّن بهذا أنَّ المراد بقوله في الحديث: إذا أمَّن حقيقة التَّأمين، لا ما أُوِّل به، وهو وإن كان مرسلًا فقد اعتُضِد بصنيع [9] أبي هريرة راويه، وإذا قلنا [10] بالرَّاجح، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأحمد: إنَّ الإمام يؤمِّن فيجهر به في الجهريَّة، كما ترجم به المصنِّف وفاقًا للجمهور، فإن قلت: من أين يُؤخَذ الجهر من الحديث؟ أُجيب: بأنَّه لو لم يكن التَّأمين مسموعًا للمأموم لم يعلم به، وقد علَّق تأمينه بتأمينه، وقد أخرج السَّرَّاج هذا الحديث بلفظ: «فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} جهر بالتَّأمين»، ولابن حبَّان من رواية الزُّبيديِّ في حديث الباب عن ابن شهابٍ: «فإذا فرغ من قراءة أمِّ القرآن رفع صوته وقال: «آمين»»، وزاد أبو داود من حديث أبي هريرة: حتَّى يسمع من يليه من الصَّفِّ، وفي حديث وائل بن حُجْرٍ عند أبي داود: «صلَّيت خلف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فجهر بـ «آمين»».
وقال الحنفيَّة والكوفيُّون ومالكٌ _في روايةٍ عنه_ بالإسرار لأنَّه دعاءٌ، وسبيله الإخفاء لقوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] وحملوا ما رُوِي من جهره عليه الصلاة والسلام به على التَّعليم، والمُستحَبُّ الاقتصارُ على التَّأمين عقب «الفاتحة» من غير زيادةٍ عليه اتِّباعًا للحديث، وأمَّا ما رواه البيهقيُّ من حديث وائل بن حُجْرٍ: أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: «ربِّ اغفر لي، آمين»، فإنَّ في إسناده أبا بكرٍ النَّهشليَّ، وهو ضعيفٌ، وقال إمامنا الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: فإن قال: «آمين ربَّ العالمين» كان حسنًا، ونقله النَّوويُّ في «زوائد الرَّوضة».
وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة».
ج2ص100


[1] في (م): «إلى»، وهو تحريفٌ.
[2] «عنه»: ليس في (د).
[3] في (م): «في».
[4] في (ص): «لكن».
[5] في (م): «أنَّه».
[6] في غير (ص) و(م): «موافقة»، والمثبت هو الصَّواب.
[7] في (ص): «لما».
[8] في (م): «فيهم».
[9] في (ص): «بصنع».
[10] في (م): «قال».