إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب الخشوع في الصلاة

           ولمَّا فرغ المؤلِّف(1) من الكلام في وضع اليمنى على اليسرى، وهي صفةُ السَّائل الذَّليل، وأنَّه أقرب إلى الخشوع شَرَعَ يذكر(2) الخشوع حثًّا للمصلِّي على ملازمته / فقال:
           ░88▒ (بابُ الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ) الصَّلاةُ صلةُ العبد بربِّه، فمن تحقَّق بالصِّلة في الصَّلاة لمعت له طوالع التَّجلِّي فيخشع، وقد شهد القرآن بفلاحِ مُصَلٍّ خاشعٍ، قال الله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ (3)فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }[المؤمنون:1-2] أي: خائفون من الله، متذلِّلون له، يُلزِمون أبصارَهم مساجدَهم، وعلامة ذلك ألَّا يلتفت المصلِّي يمينًا ولا شمالًا، ولا يجاوز(4) بصرُه موضعَ سجوده، صلَّى بعضهم في جامع البصرة، فسقطت ناحيةٌ من المسجد، فاجتمع النَّاس عليها ولم يشعر هو بها، والفلاحُ أَجْمَعُ اسمٍ لسعادة الآخرة، وفقد الخشوع ينفيه، وقد قال تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي }[طه:14] وظاهر الأمر الوجوب، فالغفلة ضدهُ(5)، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيمًا للصَّلاة لذكره تعالى؟! فافهم واعمل، فليُقْبِلِ العبدُ على ربِّه، ويستحضر بين يدي من هو واقفٌ، كان مكتوبًا في محراب داود ╕ : أيُّها المصلِّي، من أنت؟ ولمن أنت؟ وبين يدي من أنت؟ ومن تناجي؟ ومن يسمع كلامك؟ ومن ينظر إليك؟ وقال الخرَّاز: ليكن إقبالك على(6) الصَّلاة كإقبالك على الله يوم القيامة، ووقوفك بين يديه، وهو مُقْبِلٌ عليك، وأنت تناجيه.


[1] «المؤلِّف»: مثبتٌ من (ص).
[2] في (د): «بذكر».
[3] «هم»: ليس في (د).
[4] في (م): «يجوز».
[5] في غير (ص): «ضدٌّ».
[6] في (م): «في».