إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: انطلق النبي في طائفة من أصحابه عامدين

773- وبه قال:
ج2ص93
(حَدَّثَناَ مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بالمُوحَّدة المكسورة والمعجمة السَّاكنة، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((هو جعفر بن أبي وحشيَّة)) كذا في الفرع، واسمُ أبي وحشيَّة: إياسٌ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وللأَصيليِّ: ((عن عبد الله بن عبَّاسٍ)) (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) قبل الهجرة بثلاث سنين (فِي طَائِفَةٍ) ما [1] فوق الواحد (مِنْ أَصْحَابِهِ) حال كونهم (عَامِدِينَ) أي: قاصدين (إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) بضمِّ المُهمَلة وتخفيف الكاف آخره مُعجَمةٌ، بالصَّرف وعدمه كما في الفرع وأصله، قال السَّفاقسيُّ: هو من إضافة الشَّيء إلى نفسه لأنَّ عكاظ اسم سوقٍ للعرب بناحية مكَّة، قال في «المصابيح»: لعلَّ العَلَمَ هو مجموعُ قولنا: سوق عكاظ، كما قالوا في: شهر رمضان، وإن قالوا: عكاظ فعلى الحذف كقولهم: رمضان (وَقَدْ حِيلَ) أي: حُجِزَ (بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ) بضمِّ الهاء جمع شهابٍ؛ وهو شعلة نارٍ ساطعةٍ [2] ككوكبٍ ينقضُّ (فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا) بالفاء، ولغير أبي ذَرٍّ [3]: ((قالوا)): (حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا) أي: الشَّياطين: (مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا) أي: سيروا (مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) أي: فيهما [4]، فالنَّصب على الظَّرفيَّة (فَانْظُرُوا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((وانظروا)) (مَا هَذَا الَّذِي) بإثبات اسم الإشارة، ولابن عساكر: ((ما [5] الَّذي)) (حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ) ولغير ابن عساكر: ((حِيلَ)) لكنَّه في «اليونينيَّة» ضُبِّب عليها وشُطِب [6] (فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ) الشَّياطين (الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ) بكسر التَّاء: مكَّة، وكانوا من جنِّ نصيبين (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم وَهْوَ بِنَخْلَةَ) بفتح النُّون وسكون الخاء المعجمة، غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، موضعٌ على ليلةٍ من مكَّة، حال كونهم (عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهْوَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي بأصحابه صَلَاةَ الْفَجْرِ) الصُّبح (فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ) أي: قصدوه وأصغَوا إليه، وهو ظاهرٌ في الجهر المترجم له (فقالوا: هَذَا وَاللهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا) بالواو، وفي روايةٍ: ((قالوا)) وهو العامل في ظرف المكان، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((فقالوا)) بالفاء، وحينئذٍ فالعامل في الظَّرف: «رجعوا» مُقدَّرٌ [7] يفسِّره المذكور: (يَا قَوْمَنَا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}) بديعًا مباينًا لسائر الكتب؛ من [8] حسن نظمه، وصحَّة معانيه [9]، وهو مصدرٌ وُصِف به للمبالغة ({يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ}) يدعو إلى الصَّواب ({فَآمَنَّا بِهِ}) أي: بالقرآن ({وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} [الجن: 1-2] فأنزل الله) تعالى (على نبيِّه صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ}) زاد الأَصيليُّ: (({أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ})) (وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ) وأراد بـ «قول الجنِّ» الَّذي قصَّه، ومفهومه: أنَّ الحيلولة بين الشَّياطين وخبر السَّماء حدثت [10] بعد نبوَّة نبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ولذلك أنكرته الشَّياطين، وضربوا مشارق الأرض ومغاربها ليعرفوا خبره، ولهذا كانت الكهانة فاشيةً في العرب، حتَّى قُطِع بينهم وبين خبر السَّماء، فكان رميها من دلائل النُّبوَّة، لكن في «مسلمٍ» ما يعارض ذلك، فمن ثمَّ [11] وقع الاختلاف، فقِيلَ: لم تزل الشُّهب منذ كانت الدُّنيا، وقِيلَ: كانت قليلةً، فغلظ أمرها وكَثُرَتْ بعد البعث، وذكر المفسِّرون: أنَّ حراسة السَّماء والرَّمي بالشُّهب كان موجودًا، لكن عند حدوث أمرٍ عظيمٍ من عذابٍ ينزل بأهل الأرض، أو إرسال رسولٍ إليهم، وقِيلَ: كانت الشُّهب مرئيَّةً معلومةً، ولكنَّ رميَ الشَّياطين بها وإحراقهم لم يكن إلَّا بعد النُّبوَّة.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4921]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير» [12]، وهذا الحديث مُرسَل صحابيِّ لأنَّ ابن عبَّاسٍ لم يرفعه، ولا هو مدرِكٌ للقصَّة [13].
ج2ص94


[1] «ما»: ليس في (ص).
[2] في (د): «ساقطة».
[3] في (ص): «ولأبي ذَرٍّ»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[4] في (د): «فيها).
[5] «ما»: ليس في (د).
[6] قوله: «ولغير ابن عساكر: حِيلَ، لكنَّه في اليونينيَّة ضُبِّب عليها وشُطِب» ليس في (م).
[7] في غير (ب) و(س): (مُقدَّره».
[8] في (ص): «في».
[9] «وصحَّة معانيه»: ليس في (م)، وفي (د): «وصحَّة مبانيه».
[10] في (د) و(م): «حدث».
[11] في (ب) و(س): «ثمَّة».
[12] قوله: «ومسلمٌ في الصَّلاة، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في التَّفسير» سقط من (د).
[13] في (م) «القصة».