إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا؟وهل يلتفت في الأذان؟

(19) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُثنَّاتين الفوقيَّتين والمُوحَّدة المُشدَّدة المفتوحات، من التَّتبُّع، وللأَصيليِّ: ((يَتَّبِع)) بضمِّ أوَّله وإسكان المُثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة من الاتِّباع، و«المؤذِّنُ»: فاعلٌ، و«فاه»: مفعوله (هَهُنَا وَهَهُنَا) أي: جهتي [1] اليمين والشِّمال، وعند أبي عَوانة في «صحيحه» من رواية عبد الرَّحمن بن مهديٍّ: فجعل يتتبَّع بفيه يمينًا وشمالًا، وأعرب البرماويُّ _كالكرمانيِّ_ «المؤذِّنُ» بالنَّصب، وفاه: بدلًا منه، والفاعل الشَّخص مُقدَّرًا، قال: ليطابق قوله في الحديث [خ¦634]: «فجعلت أتتبَّع فاه». انتهى.
وتُعقِّب بأنَّ فيه من التَّكلُّف [2] ما لا يخفى، وليست المطابقة بلازمةٍ، وجعل غير اللَّازم لازمًا لا يخفى ما فيه (وَهَلْ يَلْتَفِتُ) المؤذِّن برأسه (فِي الأَذَانِ) يمينًا وشمالًا؛ أي [3]: في حيعلتيه.
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ الياء وفتح الكاف بصيغة التَّمريض فيما [4] رواه عبد الرَّزَّاق وغيره عن سفيان (عَنْ بِلَالٍ) المؤذِّن (أَنَّهُ جَعَلَ) أنملتي (إِصْبَعَيْهِ) مسبِّحتيه (فِي) صماخي (أُذُنَيْهِ) ليعينه ذلك على زيادة رفع صوته، أو ليكون علامةً للمؤذِّن ليعرف مَن يراه على بعدٍ أو كان به صممٌ أنَّه يؤذِّن، ورواه أبو داود، ولفظ ابن ماجه من حديث سعدٍ القُرَظ: «أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أُذنيه». لكن في إسناده ضعفٌ، وهو عند أبي عَوانة عن مؤمِّلٍ عن سفيان، وله شواهد.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب ممَّا [5] رواه عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة من طريق نُسَيْرٍ؛ بالنُّون والمهملة مُصغَّرًا، ابن ذُعْلُوق؛ بالذَّال المعجمة المضمومة وسكون العين المهملة وضمِّ اللَّام، عنه
ج2ص18
(لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) المراد بالأصبع _كالسَّابقة_ الأنملة، فهو من باب إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، وعبَّر في الأوَّل بقوله: «ويُذَكر» بصيغة التَّمريض [6]، وفي الثَّاني: بالجزم ليفيد أنَّ ميله إلى عدم جعل إصبعيه في أُذنيه، فللَّه درُّه من إمامٍ ما أدقَّ نظره!
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» عن جريرٍ عن منصورٍ عنه: (لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ) المؤذِّن وهو (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) نعم يُكرَه للمحدث حدثًا أصغر لحديث التِّرمذيِّ مرفوعًا: «لا يؤذِّن إِلَّا متوضِّئٌ» وفي إسناده ضعفٌ، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ» [7]: ويُكرَه الأذان بغير وضوءٍ، ويجزئ إن فعل. انتهى.
وللجنب أشدُّ كراهةً لغلظ الجنابة، والإقامة أغلظ من الأذان في الحدث والجنابة لقربها من الصَّلاة.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه: (الْوُضُوءُ) للأذان (حَقٌّ) ثابتٌ في الشَّرع (وَسُنَّةٌ) مسنونةٌ، هو من الصَّلاة، هو فاتحة الصَّلاة.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين رضي الله عنها ممَّا وصله مسلمٌ ويؤيِّد [8] قول النَّخعيِّ: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) سواءٌ كان على وضوءٍ أو لم يكن لأنَّ الأذان ذكرٌ، فلا يُشتَرط له الوضوء ولا استقبال القبلة كما لا يُشتَرط لسائر الأذكار، وحينئذٍ فلا يلحق الأذان بالصَّلاة لمخالفتها حكمه فيهما، ومن ثمَّ عُرِفت مناسبة ذكره لهذه الآثار عقب هذه التَّرجمة، وأدنى المناسبة كافٍ، ولاختلاف العلماء فيها ذكرها بلفظ الاستفهام [9] ولم يجزم.
ج2ص19


[1] في غير (ب) و(س): «جهتا».
[2] في غير (ب) و(س): «التَّكليف».
[3] «أي»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] في (م): «ممَّا».
[5] في (د): «فيما».
[6] في غير (ص): «بالتَّمريض».
[7] «في الأمِّ»: ليس في (د).
[8] في (د): «ويؤيِّده».
[9] في هامش (ص): (قوله: «بلفظ الاستفهام...» إلى آخره؛ أي: وهو «هل»، وهذا هو الظَّاهر، لكن قال الأنصاريُّ: إنَّ «هل» في الموضعين بمعنى «قد» كقوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ} [الإنسان: 1]). انتهى.