إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة

645- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ، إمام دار الهجرة (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولغير الأَصيليِّ وابن عساكر: ((عن ابن عمر)) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ) بفتح أوَّله وسكون الفاء وضمِّ الضَّاد، على [1] (صَلَاةَ الْفَذِّ) بفتح الفاء وتشديد الذَّال المعجمة، أي: المنفرد (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) فيه: أنَّ أقل الجمع اثنان لأنَّه جعل هذا الفضل لغير الفذِّ، وما زاد على الفذِّ؛ فهو جماعةٌ، لكن قد يُقال: إنَّما رتَّب هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرُّضٌ لنفي درجةٍ متوسِّطةٍ بين الفذِّ والجماعة كصلاة الاثنين مثلًا، لكن قد ورد في غير حديث التَّصريح بكون الاثنين جماعةً، فعند ابن ماجه من حديث أبي موسى الأشعريِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثنان فما فوقهما جماعةٌ» لكنَّه فيه ضعفٌ [2].
646- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا) ولأبي ذَرٍّ: ((حدَّثني)): بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ إمام المصريِّين (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ الْهَادِ) يزيد بن عبد الله بن أسامة، ونسبه لجدِّه لشهرته به (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثانيةٌ، الأنصاريِّ المدنيِّ التَّابعيِّ، وليس هو ابن الأَرَتِّ إذ لا رواية له في «الصَّحيحين» (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رضي الله عنه: (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) حال كونه (يَقُولُ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ) وللأَصيليِّ ((تفضل خمسًا)) (وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) وهذا الحديث ساقطٌ في رواية غير الأربعة، وفي حديث ابن عمر السَّابق [خ¦645]: «بسبعٍ وعشرين» وفي حديث أبي سعيدٍ هذا: «بخمسٍ وعشرين» وعامَّة الرُّواة عليها إلَّا ابن عمر كما قال التِّرمذيُّ، واتَّفق الجميع على «الخمس والعشرين» [3] سوى رواية أُبَيٍّ فقال: «أربعٍ أو خمسٍ» على الشَّكِّ، ولأبي عَوانة: «بضعًا وعشرين» وليست مغايرةً لصدق البِضْع على الخَمْس، ولا أثر للشَّكِّ، فرجعت الرِّوايات كلُّها إلى الخمس والسَّبع، واختُلِف في التَّرجيح بينهما، فمن رجَّح [4] الخمس لكثرة رواتها، ومن رجَّح السَّبع لزيادة العدل الحافظ، ويُجمَع [5] بينهما بأنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير؛ إذ مفهوم العدد غير معتبرٍ، أو [6] أنَّه عليه الصلاة والسلام أخبر بالخمس [7] ثمَّ أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بالسَّبع، لكنَّه يحتاج إلى التَّاريخ، وعُورِض بأنَّ الفضائل لا تُنسَخ فلا يحتاج إلى التَّاريخ، أو الدَّرجة أقلُّ من الجزء، والخمس والعشرون جزءًا [8] هي سبعٌ وعشرون درجةً، وُردَّ بأنَّ لفظ الدَّرجة والجزء وردا مع كلٍّ من العددين، قال النَّوويُّ: القول بأنَّ الدَّرجة غير الجزء غفلةٌ من قائله، أو أنَّ الجزء في الدُّنيا والدَّرجة في الجنَّة، قال البرماويُّ في «شرح العمدة»: أبداه القطب [9] القسطلانيُّ احتمالًا. انتهى [10]. أو هو بالنَّظر لقرب المسجد وبُعده، أو لحال المصلِّي كأن يكون أعلم أو أخشع، أو الخمس بالسِّرِّيَّة والسَّبع بالجهريَّة، فإن قلت: ما الحكمة في هذا العدد الخاصِّ؟ أُجيب: باحتمال أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا، فأُريد المبالغة في تكثيرها، فضُرِبَت في مثلها فصارت خمسًا وعشرين، وأمَّا السَّبع فمن جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها [11]، قال شيخنا: التماس عدد ركعات الفرائض والرَّواتب العشرة بعيدٌ؛ إذ ذاكَ إِنْ لَوِ اتَّحد، وإنَّما الكلام في الفرض دون السُّنَّة، قال: وهذا كلُّه على سبيل التَّخمين، وإلَّا ففضل الله واسعٌ وعطاؤه أبلغ ممَّا لا يُحصَر، قال: والتمس السِّراج البلقينيُّ الرواية «سبعٍ وعشرين» تأويلًا؛ وهو أنَّ الجماعة اثنان والإمام، والحسنة بعشرٍ، فيكون الجملة ثلاثين حسنةً، طرح الأصل من كلِّ ثلاثةٍ من ثلاثين، بقي سبعةٌ وعشرون، قال الشَّيخ ابن حجرٍ: وأنا ألتمس الرواية «خمسٍ وعشرين» تأويلًا، وهو أنَّ الجماعة واحدٌ والإمام، لهم عشرون درجةً، والأوَّل اثنان، والجماعة الأولى ثلاثةٌ، يكون الجميع خمسًا وعشرين درجةً. انتهى. وقد وقع في فكري أن أسأله: هل صلاة الفذِّ إذا فاتته الجماعة من المساجد المشهورة بالفضيلة الوارده بالسُّنَّة تفضل الصَّلاة فيها؟ كمسجده الشَّريف والمسجد الحرام ومسجد بيت المقدس فرأيت للكمال بن الهمام على «الهداية» أن لا يتطلَّب الجماعة إذا فاتته من مسجدٍ من هذه المساجد في مسجدٍ آخر غيره. انتهى [12].
ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول والإخبار [13] والسَّماع.
ج2ص26


[1] «على»: مثبتٌ من (م).
[2] قوله: «فيه: أنَّ أقل الجمع اثنان... اثنان فما فوقهما جماعةٌ لكنَّه فيه ضعفٌ» سقط من (م).
[3] في غير (ب) و(س): «وعشرين».
[4] في (ص): «مرجِّحٍ»، وكذا في الموضع اللَّاحق.
[5] في غير (ص): «وجُمِع».
[6] في (ب) و(س): «و».
[7] في (م): «أخبرنا بخمسٍ».
[8] في هامش (ص): (قوله: «والخمس والعشرين جزءًا»: بالنَّصب وبالجرِّ على حكاية لفظ الحديث، وكذا قوله الآتي: «هي سبعٌ وعشرين» بالجرِّ على حكاية لفظ الحديث، والأَوْلى أن يُقال: والخمس وعشرون جزءًا هي سبعٌ وعشرون درجةً؛ بالرَّفع فيهما. انتهى عجميٌّ. بل كان الأَوْلى أنَّه في «التَّعبير»: والخمس والعشرون جزءًا من سبعٍ وعشرين؛ بالإتيان بـ «من» بدل «هي» إذ الظَّاهر أنَّها مُحرَّفةٌ عنها). انتهى. خلوتي.
[9] «القطب»: ليس في (د).
[10] قوله: «وعُورِض: بأنَّ الفضائل لا تُنسَخ... القسطلانيُّ احتمالًا. انتهى» سقط من (م).
[11] في هامش (ص): (قوله: «ورواتبها» أي: المُؤكَّدة، وهي عشرةٌ). انتهى.
[12] قوله: «قال شيخنا: التماس عدد ركعات... المساجد في مسجدٍ آخر غيره. انتهى» مثبتٌ من (د).
[13] «والإخبار»: مثبتٌ من (ص).