إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب الحلق والتقصير عند الإحلال

(127) (بابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ) من الإحرام، وهو نسكٌ، لا استباحة محظورٍ للدُّعاء لفاعله بالرَّحمة كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦1727] والدُّعاء ثوابٌ، والثَّواب إنَّما يكون على العبادات لا على المباحات [1]، ولتفضيله أيضًا على التَّقصير؛ إذ المباحات لا تتفاضل، ولا تحلُّل للحجِّ والعمرة بدونه كسائر أركانهما، إلَّا لمن لا شعر برأسه، فيتحلَّل منهما بدونه، والحلق أفضل للرِّجال _كما سيأتي_ [2] فلا يُؤمَر به بعد نبات شعره، ولا يفدي عاجزٌ عن أخذه لجراحةٍ أو نحوها، بل يصبر إلى قدرته، ولا يسقط عنه، ويُستحَبُّ لمن لا شعر برأسه أن يُمِرَّ الموسى عليه تشبيهًا بالحالقين، وليس بفرضٍ عند الحنفيَّة، بل هو واجبٌ، وقيل: مُستحَبٌّ، وأقلُّ ما يجزئ عند الشَّافعيَّة: ثلاث شعراتٍ، وعند أبي حنيفة: ربع الرَّأس، وعند أبي يوسف: النِّصف، وعند أحمد: أكثرها، وعند المالكيَّة: [3] جميع شعر رأسه، ويستوعبه بالتَّقصير من قرب أصله، قال العلَّامة الكمال بن الهمام: اتَّفق الأئمَّة الثَّلاثة _أبو حنيفة ومالكٌ والشَّافعيُّ_ أنْ قال كلٌّ منهم بأنَّه [4] يجزئ في الحلق القدر الذي قال: إنَّه يجزئ في الوضوء، ولا يصحُّ أن يكون هذا منهم بطريق القياس لأنَّه يكون قياسًا بلا جامعٍ يظهر أثره؛ وذلك لأنَّ حكم الأصل على تقدير القياس وجوب المسح، ومحلُّه المسح، وحكم الفرع وجوب الحلق، ومحلُّه الحلق للتَّحلُّل، ولا يظنُّ أنَّ محلَّ الحكم الرَّأس؛ إذ لا يتَّحد الفرع والأصل؛ وذلك أنَّ الأصل والفرع هما محلَّا الحكم المُشبَّه به والمُشبَّه، والحكم هو الوجوب مثلًا، ولا قياس يُتصوَّر مع [5] اتِّحاد محلِّه؛ إذ لا اثنينيَّة، وحينئذٍ فحكم الأصل _وهو وجوب المسح_ ليس فيه معنًى يوجب جواز قصره على الرُّبع، وإنَّما فيه نفس النَّصِّ الوارد فيه؛ وهو قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة: 6] بناءً إمَّا على الإجمال والتحاق حديث المغيرة بيانًا، أو على عدمه، والمفاد بسبب الباء إلصاق اليد كلِّها بالرَّأس لأنَّ الفعل حينئذٍ يصير متعدِّيًا إلى الآلة بنفسه فيشملها، وتمام اليد يستوعب الرُّبع عادةً فيتعيَّن [6] قدره، لا أنَّ فيه معنًى ظهر أثره في الاكتفاء بالرُّبع أو بالبعض مطلقًا، أو تعيَّن الكلُّ وهو متحقِّقٌ [7] في وجوب حلقها عند التَّحلُّل من الإحرام ليتعدَّى الاكتفاء بالرُّبع من المسح إلى الحلق، وكذا الآخران، وإذا انتفت صحَّة القياس فالمرجع في كلٍّ من المسحة وحلق التَّحلُّل ما يفيده نصُّه [8] الوارد فيه، والوارد في المسح دخلت فيه الباء على الرَّأس التي هي المحلُّ، فأوجب عند الشَّافعيِّ [9] التَّبعيض، وعندنا وعند مالكٍ، لا بل الإلصاق، غير أنَّا لاحظنا تعدِّي الفعل للآلة، فيجب قدرها من الرَّأس، ولم يلاحظها مالكٌ رحمه الله تعالى، فاستوعب الكلَّ، أو جعلها صلةً كما في: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة: 6] في آية التَّيمُّم، فاقتضى وجوب استيعاب المسح، وأمَّا الوارد في الحلق فمن الكتاب قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ} [الفتح: 27] من غير باءٍ، ففيها: إشارةٌ إلى طلب تحليق الرُّؤوس أو تقصيرها، وليس فيها ما هو الموجب بطريق التَّبعيض على اختلافه عندنا وعند الشَّافعيِّ، وهو دخول الباء على المحلِّ، ومِنَ السُّنَّة فعلُه عليه الصلاة والسلام؛ وهو الاستيعاب، فكان مقتضى الدَّليل في الحلق وجوب الاستيعاب [10] كما هو قول مالكٍ، وهو الذي أدين الله [11] به، والله أعلم.
ج3ص233


[1] في (ص): «العادات».
[2] قوله: «والحلق أفضل للرِّجال كما سيأتي» جاء سابقًا عند قوله: «الإحلال من الأحرام».
[3] زيد في (ص) و(م): «من».
[4] «بأنَّه»: ليس في (د).
[5] في (د) و(س): «عند».
[6] في (ص) و(م): «فتعيَّن»
[7] في (ص) و(م): «يتحقَّق».
[8] في (ب): «نصُّ».
[9] في (ص): «الشَّافعيَّة».
[10] «فكان مقتضى الدَّليل في الحلق وجوب الاستيعاب»: سقط من (د).
[11] اسم الجلالة ليس في (م).