إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن قومك قصرت بهم النفقة

1584- وبه قال [1]: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ) بفتح الهمزة وسكون الحاء آخره صادٌ مهملتين بينهما واوٌ مفتوحةٌ [2] سلَّام بن سُلَيمٍ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَشْعَثُ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فمعجمةٍ ساكنةٍ فعينٍ مهملةٍ مفتوحةٍ فمُثلَّثةٍ ابن أبي الشَّعثاء [3] المحاربيُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجَدْرِ) بفتح الجيم وسكون الدَّال [4] المهملة، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: ((عن الجِدَار)) بكسرٍ ثمَّ فتحٍ فألفٌ: (أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ)؟ بهمزة الاستفهام (قَالَ) عليه الصلاة والسلام:
ج3ص145
(نَعَمْ) هو منه لما فيه من أصول حائطه، وظاهره أنَّ الحِجْر كلَّه من البيت، وبذلك كان يفتي ابن عبَّاسٍ، وقد روى عبد الرَّزَّاق عنه أنَّه قال: لو وَلِيتُ من البيت ما وَلِيَ [5] ابن الزُّبير لأدخلت الحِجْر كله في البيت، فَلِمَ يُطافُ [6] به إن لم يكن من البيت؟ وسيأتي _إن شاء الله تعالى_ في آخر الطَّريق الرَّابعة [خ¦1586] لحديث عائشة هذا قول يزيد بن رومان الذي رواه عن عكرمة أنَّه أراه لجرير بن حازمٍ فحزره [7] ستَّة أذرعٍ أو نحوها مع زيادةٍ من «فرائد الفوائد».
قالت عائشة: (قُلْتُ) أي: لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ) قريشًا (قَصَّرَتْ) بتشديد الصَّاد المفتوحة، ولأبي ذرٍّ: ((قَصُرت)) بتخفيفها مضمومةً (بِهِمُ النَّفَقَةُ) أي: لم يتَّسعوا لإتمامه لقلَّة ذات يدهم، وقال في «فتح الباري»: أي: النَّفقة الطَّيِّبة التي أخرجوها لذلك كما جزم به الأزرقيُّ، ويوضِّحه ما ذكره ابن إسحاق في «السِّيرة»: أنَّ أبا وهب بن عائذ [8] بن عمران بن مخزومٍ قال لقريشٍ: لا تُدخِلوا فيه من كسبكم إلَّا طيِّبًا، ولا تُدخِلوا فيه مهرَ بَغِيٍّ ولا بيعَ رِبًا ولا مظلمة أحدٍ من النَّاس. انتهى.
قالت عائشة: (قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ) بكسر الكاف فيهما لأنَّ الخطاب لعائشة (لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُوْا) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: ((يدخلوها)) بغير لامٍ وزيادة الضَّمير (وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُوْا) زاد مسلمٌ: «فكان الرَّجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقي حتَّى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط» (وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ) بالتَّنوين (عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ) برفع «عهدُهم» على الفاعليَّة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهينيِّ: ((بجاهليَّةٍ)) مُنكَّرًا، وسبق في «العلم» من طريق الأسود: «حديثٌ عهدُهم [9] بكفرٍ» [خ¦126] ولأبي عَوانة من طريق عبادة عن عروة عن عائشة: «حديث عهد بشركٍ» (فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ) أي: أخاف إنكار قلوبهم إدخال الجدر (فِي الْبَيْتِ) وجواب «لولا» محذوفٌ، أي: لفعلت ذلك، وقد رواه مسلمٌ عن سعيد بن منصورٍ عن أبي الأحوص بلفظ: «أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل»، فأثبت جواب «لولا»، وللإسماعيليِّ من طريق شيبان عن أشعث، ولفظه: «لنظرت فأدخلت» (وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ) فلا يكون مرتفعًا، ونقل ابن بطَّالٍ عن علمائهم: أنَّ النَّفرة التي خشيها عليه الصلاة والسلام أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلمٌ وابن ماجه في «الحجِّ».
ج3ص146


[1] في (د): «وبالسَّند قال».
[2] في غير (ب) و(س): «ساكنةٌ»، وفي هامش (ص): (قوله: «بينهما واو ساكنةٌ» كذا بخطِّه، وهو سبق قلمٍ، وصوابه: واو مفتوحةٌ، وقد تقدَّم له ضبطه على الصَّواب في «باب الالتفات في الصَّلاة» [خ¦751] ) . انتهى.
[3] زيد في (د): «الجحدريُّ»، وليس بصحيحٍ.
[4] «الدَّال»: ليس في (د).
[5] زيد في غير (د) و(س): «به».
[6] في (م): «يُطَفْ».
[7] في (م): «فحزره» زيد في غير (د) و(س): «في».
[8] في (د): «عابد»، وهو تصحيفٌ.
[9] في النُّسخ جميعها: «عهد»، والمثبت من «كتاب العلم».