إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اجعل إزارك على رقبتك فخر إلى الأرض

1582- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المُسنَديُّ الجعفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل هو أحد شيوخ المؤلِّف، أخرج عنه في غير [1] موضعٍ بواسطةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) بضمِّ الجيم الأولى وفتح الرَّاء عبد الملك بن عبد العزيز (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد أيضًا (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُول) ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((قال)): (لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ) قبل المبعث بخمس سنين، وكانت قريشٌ خافت أن تنهدم [2] من السُّيول، وقد اختُلِف في عدد بنائها، والذي تحصَّل من ذلك أنَّها بُنِيت عشر مرَّاتٍ: بناء الملائكة قبل خلق آدم وذلك لمَّا قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}...الآية [البقرة: 30] خافوا وحافوا [3] بالعرش، ثمَّ أمرهم الله تعالى أن يبنوا في كلِّ سماءٍ بيتًا وفي كلِّ أرض بيتًا، قال مجاهدٌ: هي أربعة عشر بيتًا، وقد رُوِيَ: أنَّ الملائكة حين أسَّست الكعبة انشقَّت الأرض إلى منتهاها، وقُذِفت فيها حجارةٌ أمثال الإبل، فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل، ثمَّ بناء آدم عليه السلام، رواه البيهقيُّ في «دلائل النُّبوَّة» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص [4] مرفوعًا من طريق ابن لهيعة وفيه: أنَّه قِيلَ له: أنت
ج3ص143
أوَّل النَّاس، وهذا أوَّل بيتٍ وُضِع للنَّاس، لكن قال ابن كثيرٍ: إنه من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ، والأشبه أن يكون موقوفًا على عبد الله، ثمَّ بناء بني آدم من بعده بالطِّين والحجارة، فلم يزل معمورًا [5] يعمرونه هم ومَنْ بعدهم، حتَّى كان زمن نوحٍ فنسفه الغرق وغيَّر مكانه، حتَّى بُوِّئ لإبراهيم [6] عليه السلام، فبناه كما هو ثابتٌ بنصِّ القرآن، وجزم الحافظ ابن كثيرٍ: بأنَّه أوَّل من بناه، وقال: إنَّه [7] لم يجئ خبرٌ عن معصومٍ أنَّه كان مبنيًّا قبل الخليل، وقد كان المبلِّغ له ببنائه عن [8] الملِك الجليل جبريلُ، فمن ثمَّ قِيلَ: ليس ثَمَّ في هذا العالم بناءٌ أشرف من الكعبة لأنَّ الآمر ببنائها: المَلِك الجليل، والمبلِّغ والمهندس: جبريل، والباني: الخليل، والتِّلميذ: إسماعيل، ثمَّ بناء العمالقة، ثمَّ جُرْهُم، رواه الفاكهيُّ بسنده عن عليٍّ، وذكر المسعوديُّ: أنَّ الذي بناه من جُرْهُم هو الحارث بن مُضاضٍ الأصغر، ثمَّ بناء قصيِّ ابن كلابٍ كما ذكره الزُّبير بن بكَّارٍ، ثمَّ بناءُ قريشٍ وحضره النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا، وقِيلَ: عشرين، ونقصوا من طولها ومن عرضها لضيق النَّفقة بهم، ثمَّ بناء عبد الله بن الزُّبير، وسببه توهين الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حُوصِر ابن الزُّبير بمكَّة في أوائل سنة أربعٍ وستِّين من الهجرة؛ لمعاندة يزيد بن معاوية، فهدمها حتَّى بلغت [9] الأرض يوم السَّبت منتصف جمادى الآخرة سنة أربعٍ وستِّين، وبناها على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ما أخرجته منها قريشٌ في الحِجْر [10]، وجعل لها بابين لاصقين [11] بالأرض؛ أحدهما بابها الموجود الآن، والآخر المقابل [12] له المسدود، وجعل فيها [13] ثلاث دعائم في صفٍّ واحدٍ، وفرغ منها في سنة خمسٍ وستِّين كما ذكره المُسبِّحِيُّ، العاشر: بناء الحجَّاج، وكان بناؤه للجدار الذي من جهة الحجْر _بسكون الجيم_ والباب الغربيِّ المسدود عند الرُّكن اليمانيِّ، وما تحت عتبة الباب الشَّرقيِّ، وهو أربعةُ أذرعٍ وشبرٌ على ما ذكره الأزرقيُّ، وترك بقيَّة الكعبة على بناء ابن الزُّبير، واستمرَّ بناء الحجَّاج إلى الآن، وقد أراد الرَّشيد أو أبوه أو جدُّه أن يعيده على ما فعله ابن الزُّبير فناشده مالكٌ في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبةً للملوك فتركه، ولم يتَّفق لأحدٍ من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شيءٍ ممَّا صنعه الحجَّاج إلى الآن إلَّا في الميزاب والباب وعتبته، وكذا وقع التَّرميم في الجدار الذي بناه الحجَّاج غير مرَّةٍ وفي السَّقف [14] وفي سلَّم السَّطح وجُدِّد فيها [15] الرُّخام، وأوَّل من فرشها بالرُّخام الوليد بن عبد الملك فيما قاله ابن جريجٍ، وهذا الحديث مُرسَلٌ لأنَّ جابرًا لم يدرك بناء قريشٍ، لكن يحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أو ممَّن حضره من الصَّحابة، وقد روى الطَّبرانيُّ وأبو نُعيمٍ في «الدَّلائل» من طريق ابن لَهِيعَة عن أبي الزُّبير قال: سألت جابرًا: هل يقوم الرَّجل عريانًا؟ فقال: أخبرني النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه لمَّا انهدمت الكعبة...؛ الحديثَ، لكنَّ ابن لهيعة ضعيفٌ، وقد تابعه عبد العزيز بن سليمان عن أبي الزُّبير، ذَكَرَهُ أبو نُعَيمٍ، فإن كان محفوظًا، وإلَّا فقد حضره من الصَّحابة العبَّاس، فلعلَّ جابرًا حمله عنه، قاله في «الفتح». وجواب «لمَّا» قوله: (ذَهَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَبَّاسٌ) عمُّه (يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ) على أعناقهما (فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ) أي: لتقوى به على حمل الحجارة، ففعل عليه الصلاة والسلام ذلك (فَخَرَّ) أي: وقع (إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ) بالواو والطَّاء المهملة والميم والحاء المهملة المفتوحات، ولأبي ذرٍّ: ((فطمحت)) بالفاء (عَيْنَاهُ) أي: شخصتا وارتفعتا (إِلَى السَّمَاءِ) والمعنى: أنَّه صار ينظر إلى فوق، قال ابن المُنيِّر: فيه دليلٌ على أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان متعبِّدًا قبل البعثة بالفروع التي بقيت محفوظةً كستر العورة؛ لأنَّ سقوطه إلى الأرض عند سقوط الإزار خشيةً من عدم السَّتر في تلك اللَّحظة. انتهى. وهذا يردُّه ما في «الدَّلائل» للبيهقيِّ عن سِمَاك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، عن أبيه قال: لمَّا بنت قريشٌ الكعبة انفردت رجلين رجلين [16] ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي، فجعلنا نأخذ أزرنا فنضعها [17] على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من النَّاس لبسنا أُزُرَنا، فبينما هو أمامي إذ صُرِع [18]، فسعيت وهو شاخصٌ ببصره إلى السَّماء،
ج3ص144
قال: فقلت لابن أخي: ما شأنك؟ قال: «نُهِيت أن أمشي عريانًا» قال: فكتمته حتَّى أظهر الله نبوَّته. وفي «التَّهذيب» للطَّبرانيِّ: «إنِّي لمع غلمانٍ هم أسناني قد جمعنا أُزُرَنا على أعناقنا لحجارةٍ ننقلها، إذ لكمني لاكمٌ لكمةً شديدةً، ثمَّ قال: اشدد عليك إزارك». وعند السُّهيليِّ في خبرٍ آخر: لمَّا سقط ضمَّه العبَّاس إلى نفسه، وسأله عن شأنه، فأخبره أنَّه نُودِي من السَّماء: أن اشدد [19] عليك إزارك يا محمَّد، وفي روايةٍ: أنَّ الملَك نزل، فشدَّ عليه إزاره، فوضح أنَّ استتاره لم يكن مستندًا إلى شرعٍ متقدِّمٍ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام لعمِّه العبَّاس: (أَرِنِي) بكسر الرَّاء وسكونها أي: أعطني (إِزَارِي) لأنَّ الإراءة من لازمها الإعطاءُ، فأعطاه فأخذه (فَشَدَّهُ عَلَيْهِ) زاد زكريَّا بن إسحاق في روايته السَّابقة، في «باب كراهية [20] التَّعرِّي» في أوائل «الصَّلاة»: «فما رُئِي بعد ذلك عُرْيانًا» [خ¦364].
وفي هذا [21] الحديث: التَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد والسَّماع والقول، ورواته ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومكِّيٍّ، وأخرجه أيضًا في «بنيان الكعبة» [خ¦3829]، ومسلمٌ في «الطَّهارة».
ج3ص145


[1] زيد في (ص) و(م): «ما».
[2] في (م): «تُهدَم».
[3] في (د): «وطافوا».
[4] في (س): «العاصي».
[5] «معمورًا»: ليس في (د).
[6] في (د): «إلى إبراهيم».
[7] «إنَّه»: مثبتٌ من (م).
[8] «عن»: ليس في (د).
[9] في (د): «بلغ».
[10] في (د): «بالحجر».
[11] في (ص): «ملصقين».
[12] في (د): «مقابلٌ».
[13] «فيها»: ليس في (د).
[14] «وفي السَّقف»: ليس في (ص).
[15] في (د): «فيه».
[16] في (د) و(م): «رجلان رجلان».
[17] في (د): «فنجعلها».
[18] في (د): «انصرع».
[19] في (د): «شُدَّ».
[20] في (د): «كراهة».
[21] «هذا»: ليس في (ص).