إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب فضل مكة وبنيانها

(42) (بَابُ) بيان (فَضْلِ مَكَّةَ) زادها الله تعالى شرفًا ورزقنا العَود إليها على أحسن حالٍ بمنِّه وكرمه (وَ) في (بُنْيَانِهَا) أي: الكعبة (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه، أي: في بيان تفسير قوله تعالى: ({وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ}) أي: الكعبة ({مَثَابَةً لِلنَّاسِ}) من ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا إليه، أي: جعلنا البيت مرجعًا ومعادًا يأتونه كلَّ عامٍ ويرجعون إليه، فلا يقضون منه [1] وطرًا، أو موضع ثوابٍ يُثابون بحجِّه واعتماره ({وَأَمْنًا}) من المشركين أبدًا، فإنَّهم لا يتعرَّضون لأهل مكَّة ويتعرَّضون لمن حولها، أو لا يُؤاخَذ [2] الجاني الملتجئ إليه كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وقِيلَ: يأمن الحاجُّ من عذاب الآخرة من حيث إنَّ الحجَّ يَجُبُّ ما قبله ({وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}) مقام إبراهيم: الحجر المعروف أو المسجد الحرام أو الحرم أو مشاعر الحجِّ، وقد صحَّ أنَّ عمر قال: يا رسول الله، هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: «نعم»، قال: أفلا نتَّخذه مُصلًّى، فأنزل الله: {وَاتَّخِذُوا}... إلى آخره، وهو عطفٌ على: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} أو على معنى {مَثَابَةً} أي: ثوبوا إليه واتَّخذوا، أو مُقدَّرٌ بـ «قلنا» أي: وقلنا اتَّخذوا منه موضع صلاةٍ أو مُدَّعى، والأمر للاستحباب بالاتِّفاق ({وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ}) أمرناهما ({أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ}) أي: بأن طهِّرا، وهو بمعنى: الوحي، عُدِّي بـ «إلى» يريد: طهِّراه من الأوثان والأنجاس، وما لا يليق به وأخلصاه ({لِلطَّائِفِينَ}) حوله ({وَالْعَاكِفِينَ}) المقيمين عنده أو المعتكفين فيه ({وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}) جمع راكعٍ وساجدٍ، أي: المصلِّين، واستُدِلَّ به على جواز صلاة الفرض والنَّفل داخل البيت خلافًا لمالكٍ رحمه الله في الفرض ({وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا}) البلد أو المكان ({بَلَدًا آمِنًا}) أي [3]: ذا أمنٍ كقوله تعالى: {فَهُوَ [4] فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [الحاقَّة: 21، القارعة: 7] أو آمنًا أهله كقولك [5]: ليلٌ نائمٌ ({وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ}) فاستجاب الله تعالى دعاءه بأن بعث الله تعالى جبريل عليه السلام حتَّى اقتلع الطَّائف من موضع الأردن، ثمَّ طاف بها [6] حول الكعبة، فسُمِّيت الطَّائف، قاله المفسِّرون ({مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}) أُبدِل {مَنْ آمَنَ} من {أَهْلَهُ} بدل البعض للتَّخصيص ({قَالَ وَمَنْ كَفَرَ}) عُطِف على {مَنْ
ج3ص142
آمَنَ} وهو من كلام الله تعالى، نبَّه الله سبحانه أنَّ الرِّزق عامٌّ دنيويٌّ يعمُّ المؤمن والكافر لا كالإمامة والتَّقدُّم في الدِّين، أو مبتدأٌ تضمَّن معنى الشَّرط ({فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا}) خبره، و{قَلِيلًا}: نُصِب بالمصدر، والكفر وإن لم يكن سبب التَّمتُّع لكنَّه سببُ تقليله بأن يجعله مقصورًا بحظوظ الدُّنيا غير متوسِّلٍ به إلى نيل الثَّواب ولذلك عطف عليه ({ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ}) أي: ألجئه إليه ({وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}) أي: العذابُ، فحذف [7] المخصوص بالذَّمِّ ({وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ}) الأساس ({مِنَ الْبَيْتِ}) ورفعُها: البناءُ عليها، وظاهره أنَّه كان مُؤسَّسًا قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرَّفع نقلَها من مكانها إلى مكان البيت ({وَإِسْمَاعِيلُ}) كان يناوله الحجارة، يقولان: ({رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا}) بناءَ البيت ({إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ}) لدعائنا ({الْعَلِيمُ}) بنيَّاتنا [8] ({رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ}) مخلصَين لك منقادَين ({وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا}) أي: واجعل بعض ذرِّيَّتنا [9] ({أُمَّةً}) جماعةً ({مُسْلِمَةً لَكَ}) خاضعةً مخلصةً، وإنَّما خصَّا الذَّرِّيَّة بالدُّعاء لأنَّهم أحقُّ بالشَّفقة، ولأنَّهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع، وخصَّا بعضهم لِما أُعلِما أنَّ في ذرِّيَّتهما ظَلَمةً، وعلما أنَّ الحكمة الإلهيَّة لا تقتضي الاتِّفاق على الإخلاص والإقبال الكليِّ على الله، فإنَّه ممَّا يشوِّش المعاش، ولذلك قِيلَ: لولا الحمقى لخربت الدُّنيا، قاله القاضي ({وَأَرِنَا}) قال البيضاويُّ: مِنْ رأى بمعنى: أبصر أو عرف، ولذلك لم يتجاوز مفعولين، وقال أبو حيَّان: أي: بصِّرنا [10] إن كانت من «رأى» البصريَّة، والتَّعدِّي هنا إلى اثنين ظاهرٌ لأنَّه منقولٌ بالهمزة من المتعدِّي إلى واحدٍ، وإن كانت من رؤية القلب فالمنقول أنَّها تتعدَّى إلى اثنين، فإذا [11] دخلت عليها همزة النَّقل تعدَّت إلى ثلاثةٍ، وليس هنا إلَّا اثنان [12]، فوجب أن يعتقد أنَّها من رؤية العين، وقد جعلها الزَّمخشريُّ من رؤية القلب، وشرحها بقوله: عرف، فهي عنده تأتي [13] بمعنى: عرف، أي: تكون قلبيَّةً وتتعدَّى إلى واحدٍ، ثمَّ أُدخِلت همزة النَّقل فتعدَّت إلى اثنين، ويحتاج ذلك إلى سماعٍ من كلام العرب. انتهى.
({مَنَاسِكَنَا}) متعبَّداتنا في الحجِّ أو مذابحنا، وروى عبد بن حميدٍ عن أبي مجلزٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطَّواف بالبيت سبعًا، قال: وأحسبه بين الصَّفا والمروة، ثمَّ أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم، قال: فمن ثَمَّ سُمِّيت عرفاتٍ، ثمَّ أتى به جَمْعًا، فقال: ههنا يجمع [14] النَّاسُ الصَّلاةَ، ثمَّ أتى به منًى، فعرض لهما الشَّيطان، فأخذ جبريل سبع حصيَّاتٍ، فقال: ارمه بها وكبِّر مع كلِّ حصاةٍ ({وَتُبْ عَلَيْنَا}) استتابةً لذرِّيَّتهما [15] لأنَّهما معصومان أو عمَّا فرط منهما سهوًا، ولعلَّهما قالاه هضمًا لأنفسهما وإرشادًا لذرِّيَّتهما ({إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 125-128] ) لمن تاب، وهذه أربع آياتٍ ساقها المصنِّف كلَّها كما هو [16] في رواية كريمة، وللباقين بعض الآية الأولى، ولأبي ذرٍّ كلُّها، ثمَّ قال: ((إلى قوله تعالى: {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ})).
ج3ص143


[1] في (د): «فيه».
[2] في (د): «يؤاخِذون».
[3] «أي»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] «فهو»: ليس في (د) و(س).
[5] في (د): «كقوله».
[6] في (د): «به».
[7] في (د): «بحذف».
[8] في (د): «ببنائنا».
[9] «ذرِّيَّتنا»: ليس في (م).
[10] في (د): «أبصرنا».
[11] في (د): «فإن».
[12] في (م): «إتيان»، وهو تصحيفٌ.
[13] زيد في (ص) و(م): «رأى».
[14] في (م): «سمع».
[15] في (د): «لذرِّيَّتنا».
[16] «كما هو»: ليس في (د).