إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا

855- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) هو سعيد بن كثير بن عُفَيْرٍ؛ بضمِّ العين المُهمَلة وفتح الفاء، المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريُّ أيضًا (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (زَعَمَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، أي: «قال» لأنَّ المرادَ بالزَّعم هنا القولُ المُحقَّق، وللأَصيليِّ: ((عن عطاءٍ)) (أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ قَالَ: فَلْيَعْتَزِلْ)
ج2ص146
ولابن عساكر((أو فليعتزل)) (مَسْجِدَنَا) شكٌّ من الزُّهريِّ (وَلْيَقْعُدْ) بواو العطف، ولأبي ذَرٍّ: ((أو ليقعد)) (فِي بَيْتِهِ) بالشَّكِّ، وهو أخصُّ من الاعتزال لأنَّه أعمّ من أن يكون في البيت أو غيره.
وبه قال المؤلِّف: (وَ) حدَّثنا سعيد بن عُفَيْرٍ بإسناده (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: لمَّا قَدِمَ المدينة من مكَّة، ونزل في بيت أبي أيُّوب الأنصاريِّ (أُتِيَ) من عند أبي أيُّوب (بِقِدْرٍ) بضمِّ الهمزة وكسر القاف؛ ما يُطبَخ فيه الطَّعام (فِيهِ خَضِرَاتٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المُعجَمتين، ولأبي ذَرٍّ _وعزاها القاضي عياضٌ وابن قُرْقُول للأَصيليِّ_: ((خُضَرات)) بضمِّ الخاء وفتح الضَّاد، جمع خضرةٍ (مِنْ بُقُولٍ) أي: مطبوخةٍ (فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا) لأنَّ الرَّائحة لم تَمُتْ منها بالطَّبخ، فكأنَّها نيئةٌ [1] (فَسَأَلَ، فَأُخْبِرَ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، أي: أُخبرِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (بِمَا فِيهَا) أي: القدر (مِنَ الْبُقُولِ، فَقَالَ) وفي روايةٍ ((قال)): (قَرِّبُوهَا) أي: القدر أو الخضرات [2] أو البقول، مشيرًا (إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ) هو أبو أيُّوب الأنصاريُّ، استدلَّ في «فتح الباري» لكونه أبا أيُّوب بحديث مسلمٍ في قصَّة نزوله عليه الصلاة والسلام عليه [3]، قال: وكان يقدِّم للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم طعامًا، فإذا جِيء به إليه _أي: بعد أن يأكل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم منه_ سأل عن موضع أصابع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فصنع ذلك مرَّةً، فقِيلَ له: لم يأكل، وكان الطَّعام فيه ثومٌ، فقال: أحرامٌ هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكن أكرهه». انتهى. أو هو وغيره لحديث أمِّ أيُّوب المرويِّ عند ابني خزيمة وحبَّان قالت: «نزل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلَّفنْا له طعامًا فيه بعضُ البقول...» الحديثَ، وفيه: قال: «كلوا، فإنِّي لستُ كأحدٍ منكم»، فهذا أمرٌ بالأكل للجماعة.
(فَلَمَّا رَآهُ) أي: فلمَّا رأى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا أيُّوب أو [4] وغيره (كَرِهَ أَكْلَهَا، قَالَ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((فقال)): (كُلْ؛ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي) أي: من الملائكة، وعند ابني خزيمة وحبَّان من وجهٍ آخر: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُرسِل إليه بطعامٍ من خضرةٍ فيه بصلٌ أو كُرَّاثٌ، فلم ير فيه أثر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يأكل، فقال له: «ما منعك أن تأكل؟» فقال: لم أر أثر يدك، قال: «أستحيي [5] من ملائكة الله، وليس بمُحَرَّمٍ»، وعندهما أيضًا: «إنِّي أخاف أن أُوذي صاحبيَّ».
ورواة هذا الحديث ما بين مصريٍّ _بالميم_ ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه البخاريُّ في «الاعتصام» [خ¦7359]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وأبو داود في «الأطعمة»، والنَّسائيُّ في «الوليمة».
(وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ) المصريُّ، شيخ المؤلِّف [6] من أفراده، يروي (عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) عبد الله: (أُتِيَ) بضمِّ الهمزة (بِبَدْرٍ) بفتح المُوحَّدة وسكون الدَّال آخره راءٌ، فخالف سعيد بن عُفَيْرٍ شيخه المذكور في لفظة [7]: «قِدْرٍ» بالقاف فقط، وشاركه في سائر الحديث عن ابن وهبٍ بإسناده المذكور، وقد رواه المؤلِّف في «الاعتصام» [خ¦7359]: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ) في تفسير «بدرٍ»: (يَعْنِي: طَبَقًا) شبَّهه بـ «البدر» وهو القمر عند كماله لاستدارته (فِيهِ خُضَرَاتٌ) أي: من بقولٍ، وظاهره أنَّ البقول كانت فيه نيئةً، لكن لا مانع من كونها كانت مطبوخةً، وقد رجَّح جماعةٌ من الشُّرَّاح رواية أحمد بن صالحٍ هذه لكون [8] ابن وهبٍ فسَّر «البدر» بالطَّبق، فدلَّ على أنَّه حدَّث به كذلك، والَّذي يظهر أنَّ رواية القدر أصحُّ لِمَا تقدَّم من حديث أبي أيُّوب وأمِّ أيُّوب جميعًا، فإنَّ فيه التَّصريح بالطَّعام.
(وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ) بن سعدٍ فيما وصله الذُّهليُّ في «الزُّهريَّات» (وَأَبُو صَفْوَانَ) عبد الله بن سعيدٍ الأمويُّ فيما [9] وصله المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦5452] عن عليِّ بن المدينيِّ عنه (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد عن عطاءٍ عن جابرٍ (قِصَّةَ الْقِدْرِ) بل اقتصر على الحديث الأوّل، قال المؤلِّف، أو شيخه سعيد بن عُفَيْرٍ، أو ابن وهبٍ، وبالأوَّل جزم ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: (فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ) مُدرَجًا (أَوْ) هو مرويٌّ (فِي الْحَدِيثِ) المذكور، وفي متن الفرع كأصله بعد قوله: «وقال أحمد بن صالح»: «بعد حديث يونس، عن ابن شهابٍ، وهو يثبت قول يونس» هذا لفظه، وعليه علامة السُّقوط عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر، وبالهامش مكتوبٌ: ((ظع. عن ابن شهابٍ ثبتت [10])) وبالهامش أيضًا بقيَّة قوله: «وقال أحمد بن صالحٍ... إلى آخر قوله: أو في الحديث»، خرج له من آخر قوله: «ابن صالح»، وقال تلو ذلك: هذا
ج2ص147
المكتوب جميعه في هامش «اليونينيَّة» في هذا الموضع، وليس عليه رقمٌ. انتهى. وقد ثبت أيضًا في الفرع كهو قوله: ((وقال أحمد بن صالحٍ... إلى آخر قوله: أو في الحديث)) في الهامش بعد قوله: «وقال مخلد بن يزيد عن ابن جريجٍ: إلَّا نَتْنَه» وقال في آخره: هذا مكتوبٌ في «اليونينيَّة» في المتن في هذا الموضع، ومكتوبٌ إلى جانبه: «يُؤخَّر إلى بعد قوله: «من لا تناجي عند: 5 ص س ط صحـ»، وسيأتي بعد مكتوبًا في هذه النُّسخة على ما ذُكِرَ [11] أنَّه عند أصحاب هذه العلامات، فليُعلَم. انتهى.
ج2ص148


[1] في (د): «نية»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د) و(ص): «الخضراوات».
[3] في (ص): «نزول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم».
[4] في (د): «أي».
[5] في غير (ص) و(م): «أستحي».
[6] في (د): «المصنِّف».
[7] في (ص): «لفظ».
[8] في غير (ص): «لكنَّ».
[9] في (ص): «ممَّا».
[10] في (ص): «يثبت».
[11] في (د): «ذكره».