إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا في مساجدنا

854- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن اليمان الجعفيُّ المُسنَديُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك بن مخلدٍ النَّبيل، شيخ المؤلِّف، وربَّما روى عنه بواسطةٍ كما هنا (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ _يُرِيدُ الثُّومَ_) يحتمل أن يكون الَّذي فسَّر هو ابن جريجٍ كما قاله الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى (فَلَا يَغْشَانَا) بألفٍ بعد الشِّين المُعجَمة؛ إجراءً للمعتلِّ مجرى الصَّحيح كقوله: [من الرَّجز]
~إذا العجوزُ غَضَبَتْ فطلِّقِ ولا ترضَّاها ولا تملَّقِ
أو الألف من إشباع فتحة «يغشَنا»، أو خبرٌ بمعنى النَّهي، أي: فلا يأتِنا (فِي مَسَاجِدِنَا) وللحَمُّويي والمُستملي: ((مسجدنا)) بالإفراد.
قال عطاءٌ: (قُلْتُ) لجابرٍ: (مَا يَعْنِي بِهِ؟) أي: بالثُّوم، أنضيجًا أم نيئًا؟ (قَالَ) جابرٌ: (مَا أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: ما أظنُّه عليه الصلاة والسلام (يَعْنِي) أي: يقصد (إِلَّا نِيئَهُ) بكسر النُّون مع الهمزة [1] والمدِّ كما [2] في الفرع وأصله، وجزم الكرمانيُّ بأنَّ السَّائل عطاءٌ والمسؤول جابرٌ، وتبعه البرماويُّ والعينيُّ، وقال الحافظ ابن حجرٍ: أظنُّ السَّائل ابن جريجٍ والمسؤول عطاءً، وفي «مُصنَّف عبد الرَّزَّاق» ما يرشد إلى ذلك. انتهى. ومقتضى قوله: «إلَّا نيئه» أنَّه لا يُكرَه المطبوخ. وفي حديث عليٍّ المرويِّ عند أبي داود قال: «نهى عن أكل الثُّوم إلَّا مطبوخًا» وفي حديث معاوية بن قرَّة عن أبيه: أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن هاتين الشَّجرتين، وقال: «من أكلهما فلا يقربنَّ مسجدنا»، وقال: «إن كنتم لا بدَّ آكليهما فأميتوهما طبخًا».
(وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) بفتح الميم وسكون الخاء المُعجَمة، و«يزيد» من الزِّيادة، الحَرَّانيُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وتسعين ومئةٍ، يروي (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (إِلَّا نَتْنَهُ) بفتح النُّون وسكون المُثنَّاة [3] الفوقيَّة بعدها نونٌ أخرى، أي: قال بدل «نيئه»: نتنه؛ وهو الرَّائحة الكريهة، ونقل ابن التَّين عن مالكٍ أنَّه قال: الفجل إن [4] كان يظهر ريحه فهو كالثُّوم، وقيَّده القاضي عياضٌ بالجُشَاء، ونصَّ في «الطَّبرانيِّ الصَّغير» في [5] حديث أبي الزُّبير عن جابرٍ على الفجل، لكنْ في إسناده يحيى بن راشدٍ، وهو ضعيفٌ، وقد وقع حديث جابرٍ هذا مُقدَّمًا على سابقه في بعض الأصول، وعلى أوَّلهما في فرع «اليونينيَّة» كهي علامة التَّقديم والتَّأخير، ورمز أبي ذَرٍّ، وعليه شرح العينيِّ.
ورواة حديث جابرٍ هذا ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومكِّيٍّ، وشيخ المؤلِّف المُسنَديُّ من أفراده، وفيه: التَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «الأطعمة».
ج2ص146


[1] في (د): «الهمز».
[2] في (د) و(ص): «كذا».
[3] «المثنَّاة»: ليس في (د).
[4] في (ص): «إذا».
[5] في (د) و(ص): «من».