إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ألا أحدثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم

843- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن عليٍّ بن عطاء بن مُقدَّمٍ المقدميُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) هو ابن سليمان بن طرخان البصريُّ، ولابن عساكر: ((المعتمر)) (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب المدنيِّ (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح الميم، مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ الْفُقَرَاءُ) فيهم أبو ذَرٍّ كما عند أبي داود، وأبو الدَّرداء كما [1] عند النَّسائيِّ (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ) بضمِّ الدَّال المُهمَلة والمُثلَّثة، جمع دَثْرٍ؛ بفتح الدَّال وسكون المُثلَّثة (مِنَ الأَمْوَالِ) بيانٌ للدُّثور [2] وتأكيدٌ [3] له لأنَّ الدُّثور يجيء بمعنى المال الكثير، وبمعنى الكثير من كلِّ شيءٍ (بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَا) في الجنَّة، أو المراد: علوُّ القدر [4] عنده تعالى (وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ) الدَّائم المُستَحَقِّ بالصَّدقة (يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ) زاد في حديث أبي الدَّرداء عند النَّسائيِّ في «اليوم واللَّيلة»: «ويذكرون كما نذكر» وللبزَّار من حديث ابن عمر: «وصدَّقوا تصديقنا، وآمنوا إيماننا» (وَلَهُمْ فَضْلُ الأَمْوَالٍ) بالإضافة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ولهم فضلٌ من أموالٍ)) وللأَصيليِّ: ((فضل الأموال)) (يَحُجُّونَ بِهَا وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ) في رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ عند مسلمٍ: ويتصدقون ولا نتصدَّق، ويعتقون ولا نعتق.
(قَالَ) عليه الصلاة والسلام، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((فقال)): (أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بما) أي: بشيءٍ (إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ) بذلك الشَّيء، وضُبِّب في «اليونينيَّة» على قوله: «أحدِّثكم»، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ والأَصيليِّ: ((ألا أحدِّثكم بأمرٍ إن أخذتم به أدركتم)) (مَنْ سَبَقَكُمْ) من أهل الأموال في الدَّرجات العلا، والجملة في موضع نصبٍ مفعول «أدركتم»، وسقط قوله «بما» في أكثر الرِّوايات. وكذا قوله: «به»، وقد فُسِّر السَّاقط في الرِّواية الأخرى، وسقط
ج2ص137
أيضًا قوله «من سبقكم» في رواية الأَصيليِّ، والسَّبقيَّة المذكورة رجَّح ابن دقيق العيد أن تكون معنويَّةً، وجوَّز غيرُهُ أن تكون حسِّيَّةً، قال الحافظ: والأوَّل أَوْلى. انتهى [5].
(وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ) لا من أصحاب الأموال ولا من غيرهم (وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ) بفتح النُّون مع الإفراد، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بين ظهرانيهم)) أي: من أنتم بينهم (إِلَّا مَنْ عَمِلَ) من الأغنياء (مِثْلَهُ) فلستم خيرًا منه [6]، لأنَّ هذا هو نقيض الحكم الثَّابت للمُستثنَى منه، وانتفاء خيريَّة المخاطبين بالنَّسبة إلى من عمل مثل عملهم صادقٌ بمساواتهم لهم في الخيريَّة، وبهذا يُجاب عن استشكال ثبوت الأفضليَّة في خيرٍ مع التَّساوي في العمل المفهوم من قوله: «أدركتم»، وهو أحسن من التَّأويل بـ «إلَّا من عمل مثله»، وزاد بغيره من فعل البرِّ، أشار إليه البدر الدَّمامينيُّ، لكن لا يمتنع [7] أن يفوق الذِّكرُ مع سهولته الأعمالَ الشَّاقَّة الصَّعبة من الجهاد ونحوه، وإن ورد: «أفضل العبادات أحمزها [8]» لأنَّ في الإخلاص في الذِّكر من المشقَّة _ولا سيَّما الحمد في حال الفقر_ ما يصير به أعظمَ الأعمال، وأيضًا فلا يلزم أن يكون الثَّواب على قدر المشقَّة في كلِّ حالٍ، فإنَّ ثواب كلمة الشَّهادتين مع سهولتها أكثر من العبادات الشَّاقَّة، وإذا قلنا: إنَّ الاستثناء يعود على كلٍّ من السَّابق والمدرك، كما هو قاعدة الشَّافعيِّ رحمه الله في أنَّ الاستثناء المتعقِّب للجمل عائدٌ على كلِّها، يلزم قطعًا أن يكون الأغنياء أفضل؛ إذ معناه: إن أخذتم أدركتم إلَّا مَن عمل مثله، فإنَّكم لا تدركون.
(تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ) أي: مكتوبةٍ، وعند المصنِّف في «الدَّعوات» [خ¦6329]: «دبر كل صلاةٍ» ورواية «خلفَ» [9] مفسِّرة لرواية: «دبر» [10]، وللفريابيِّ من حديث أبي ذَرٍّ: «إثر كلِّ صلاةٍ» أي: تقولون كلَّ واحدٍ من الثَّلاثة (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) فالمجموع لكلِّ فردٍ فردٍ، والأفعال الثَّلاثة تنازعت في الظَّرف وهو «خلف»، وفي «ثلاثًا وثلاثين» وهو مفعولٌ مُطلَقٌ، وقِيلَ: المراد المجموع للجميع، فإذا وُزِّع [11] كان لكلِّ واحدٍ من الثَّلاثة أحد عشر، وبدأ بالتَّسبيح لأنَّه يتضمَّن نفي النَّقائص عنه تعالى، ثمَّ ثنَّى بالتَّحميد لأنَّه يتضمَّن إثبات الكمال له؛ إذ لا يلزم من نفي النَّقائص إثبات الكمال، ثمَّ ثلَّث بالتَّكبير؛ إذ لا يلزم من نفي النَّقائص وإثبات الكمال نفيُ أن يكون هناك كبيرٌ آخر، وقد وقع في رواية ابن عجلان تقديم التَّكبير على التَّحميد، ومثله لأبي داود من حديث أمِّ حكيمٍ، وله في حديث أبي هريرة: يكبِّر ويحمد ويسبِّح، وهذا الاختلاف يدلُّ على أنْ لا ترتيب فيه، ويُستأنِس له بقوله في حديث [12]: «الباقيات الصَّالحات لا يضرُّك بأيِّهن بدأت». ولكنَّ ترتيب حديث الباب الموافق لأكثر الأحاديث أَوْلى لِمَا مرَّ.
قال سُمَيٌّ: (فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا) أي: أنا وبعض أهلي، هل كلُّ واحدٍ [13] ثلاثًا وثلاثين أو المجموع؟ (فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ) قال سُمَيٌّ: (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي: إلى أبي صالحٍ، والقائل: «أربعًا وثلاثين» بعضُ أهل سُمَيٍّ، أو القائل: «فاختلفنا» أبو هريرة، والضَّمير في: «فرجعت» له، وفي «إليه» للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والخلاف بين الصَّحابة وهم القائلون: «أربعًا وثلاثين» كما هو ظاهر الحديث، لكنَّ الأوَّل أقربُ لوروده في «مسلمٍ»، ولفظه: «قال سُمَيٌّ: فحدَّثت بعض أهلي هذا الحديث. فقال: وهمت... _فذكر كلامه_ قال: فرجعت [14] إلى أبي صالحٍ» إلَّا أنَّ مسلمًا لم يوصل هذه الزِّيادة.
(فَقَالَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، أو أبو صالحٍ: (تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ) العدد (مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) وهل العدد للجميع أو المجموع؟ ورواية ابن عجلان ظاهرها: أنَّ العدد للجميع، ورجَّحه بعضهم للإتيان فيه [15] بواو العطف، والمختار: أنَّ الإفراد أَوْلى لتميِّزه باحتياجه إلى العدد، وله على كلِّ حركةٍ لذلك _سواءٌ كان بأصابعه [16] أو بغيرها_ ثوابٌ لا يحصل لصاحب الجمع منه إلَّا الثُّلث، ثمَّ إنَّ الأفضل الإتيان بهذا الذِّكر متتابعًا في الوقت الَّذي عُيِّن فيه، وهل إذا زِيد على العدد المنصوص عليه من الشَّارع يحصل له ذلك الثَّواب المترتِّب عليه أم لا؟ قال بعضهم: لا يحصل لأنَّ لتلك الأعداد حكمةً وخاصيَّةً وإن خفيت علينا لأنَّ كلام الشَّارع لا يخلو عن حِكَمٍ، فربَّما تفوت بمجاوزة ذلك العدد،
ج2ص138
والمعتمد الحصول، لأنَّه قد أتى بالمقدار الَّذي رُتِّب على الإتيان به ذلك الثَّوابُ، فلا تكون الزِّيادة مزيلةً له بعد حصوله بذلك العدد، وأشار إليه الحافظ زين الدِّين العراقيُّ، وقد اختلفت الرِّوايات في عدد هذه الأذكار [17] الثَّلاثة، ففي حديث أبي هريرة [18]: «ثلاثًا وثلاثين» كما مرَّ، وعند النَّسائيِّ من حديث زيد بن ثابتٍ: «خمسًا وعشرين» ويزيدون فيها: لا إله إلَّا الله خمسًا وعشرين، وعند البزَّار من حديث ابن عمر: «إحدى عشرة» وعند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من حديث أنسٍ: «عشرًا» وفي حديث أنسٍ في بعض طرقه: ستًّا، وفي بعض طرقه أيضًا: مرَّةً واحدةً، وعند الطَّبرانيِّ في «الكبير» من حديث زُمَيْلٍ الجهنيِّ [19] قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الصُّبح قال وهو ثانٍ رجله [20]: «سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، إنَّه كان توَّابًا» سبعين مرَّةً، ثمَّ يقول: «سبعين بسبع مئةٍ...» الحديث، وعند النَّسائيِّ في «اليوم واللَّيلة» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من سبَّح دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ مئةً، وكبَّر مئةً، وحَمِدَ مئةً غُفِرت له ذنوبُه وإن كانت أكثر من زبد البحر»، وهذا الاختلاف يحتمل أن يكون صدر في أوقاتٍ متعدِّدةٍ، أو هو واردٌ على سبيل التَّخيير، أو يختلف باختلاف الأحوال، وقد زاد مسلمٌ في رواية ابن عجلان عن سُمَيٍّ: «قال أبو صالحٍ: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، فقالوا مثله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 54]». قال المُهلَّب: في حديث أبي هريرة فضلُ الغنيِّ نصًّا [21] لا تأويلًا إذا استوت أعمالهم المفروضة، فللغنيِّ حينئذٍ من فضل عمل البرِّ ما لا سبيل للفقير إليه. وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّ الفضل المذكور فيه خارجٌ عن محلِّ الخلاف؛ إذ لا يختلفون في أنَّ الفقير لم يبلغ فضل الصَّدقة، وكيف يختلفون فيه وهو لم يفعل الصَّدقة، وإنَّما الخلاف إذا قابلنا مزيَّة الفقير بثواب الصَّبر على مصيبة شظف العيش، ورضاه بذلك بمزيَّة الغنيِّ بثواب الصَّدقات، أيُّهما أكثر ثوابًا؟ انتهى. ويأتي _إن شاء الله تعالى_ مباحث هذه المسألة في «كتاب الأطعمة».
ورواة حديث الباب ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه مسلمٌ أيضًا في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في«اليوم واللَّيلة».
ج2ص139


[1] «كما»: ليس في (ص) و(م).
[2] في (د) و(م): «للمذكور».
[3] في (د): «أو تأكيدٌ».
[4] في (ص): «قدره».
[5] «قال الحافظ: والأوَّل أَوْلى»: ليس في (ص) و(م).
[6] في (ص): «منهم».
[7] في (م): «يمنع».
[8] في هامش (ص): (قوله: «أحمزها» قال الحافظ السَّخاويُّ في «المقاصد الحسنة»: حديث: «أفضل العبادات» قال المزِّيُّ: هو من غرائب الأحاديث، ولم يرد في شيءٍ من الكتب السِّتَّة. انتهى. وهو منسوبٌ في «النِّهاية» لابن الأثير لابن عبَّاسٍ بلفظ: «سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: أحمزها» وهو بالمُهمَلة والزَّاي؛ أي: أقواها وأشدُّها، وفي «الفردوس» ممَّا عزاه لعثمان بن عفَّان مرفوعًا: «أفضل العبادات أخفَّها»، فيُجمَع بينهما على تقدير ثبوتهما؛ بأنَّ القوَّة والشِّدَّة بالنَّظر لتمكُّن شروط الصِّحَّة وغيرها فيها، والخفَّة بالنَّظر لعدم الإكثار بحيث يملُّ، ولكنَّ الظَّاهر أنَّ لفظ الثَّاني: «العيادة» بالتَّحتانيَّة لا بالمُوحَّدة. انتهى كلام السَّخاويِّ، وما استظهره هو ما يدلُّ عليه سياق الحديث في عيادة المريض؛ كما في «تسديد القوس» للحافظ ابن حجرٍ، وقد رُوِي بالمُوحَّدة أيضًا، والله أعلم). انتهى عجمي.
[9] في (م): «هي».
[10] في (م): «بهذا».
[11] في (ص): «فرِّع».
[12] في (م): «الحديث».
[13] في (د): «واحدة».
[14] في (م): «فرجعنا».
[15] في (م): «به».
[16] في (ص): «بأصابعها».
[17] في (ص): «الألفاظ».
[18] في (م): «داود»، وليس بصحيحٍ.
[19] في هامش (ص): (قوله: «من حديث زُمَيْلٍ الجهنيِّ»، تبع في ذلك العينيُّ، والَّذي في «المَجْمَع» في التَّعبير والدَّعوات من رواية الطَّبرانيِّ في «الكبير»: عن ابن زملٍ. انتهى. ثمَّ إنَّه في «المَجْمَع» في الموضعين بلفظ: ابن زُمَيْلٍ؛ بصورة المُصغَّر، حديثًا مُطوَّلًا، وفيه: سليمان بن عطاء القرشيُّ ضعيفٌ. انتهى. وصوابه: ابن زِمْلٍ؛ بكسر الزَّاي وسكون الميم؛ كما ضبطه القسطلانيُّ في آخر «التَّعبير»، وقد ذكره الحافظ ابن حجرٍ في القسم الأوَّل من «الإصابة»، فقال: عبد الله بن زِمْلٍ، وأطال في ترجمته، وذكر أنَّ الطَّبرانيَّ أخرج له هذا الحديث، في «المعجم الكبير»، والله أعلم، وفي «القاموس»: عبد الله بن زِمْلٍ بالكسر، تابعيٌّ، مجهولٌ، غير ثقةٍ، وقولُ الصَّغانيِّ «صحابيٌّ» غلطٌ. انتهى. وفيه نظرٌ لِمَا تقدَّم عن «الإصابة»). انتهى.
[20] في (ب) و(س): «رجليه»، والمثبت موافقٌ لما في كتب الحديث.
[21] في (م): «فضلًا»، وليس بصحيحٍ.