إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي بالتكبير

842- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ، وسقط لفظ «ابن عبد الله» عند الأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قال: حدَّثنا عمروٌ) بفتح العين، ابن دينارٍ، كذا للأبوين وابن عساكر والأَصيليِّ [1] بثبوت ((عمروٍ)) وسقط في بعض النُّسخ، ولا بدَّ من ثبوته، وللأَصيليِّ: ((عن عمروٍ)) بدل: حدَّثنا [2] (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو مَعْبَدٍ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِالتَّكْبِيرِ) أي: بعد الصَّلاة، وفي السَّابقة. «بالذِّكر» [خ¦841] وهو أعمُّ من التَّكبير، والتَّكبير أخصُّ، أو [3] هذا مفسِّرٌ للسَّابق.
(قال عليٌّ) هو ابن المدينيِّ، وفي رواية المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((وقال)) بالواو، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا عليٌّ)) بدل: «قال» [4]: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (عَنْ عَمْروٍ) هو ابن دينارٍ (قَالَ: كَانَ أَبُو مَعْبَدٍ أَصْدَقَ مَوَالي ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، التَّفضيل فيه باعتبار إفراد الخبر، وإلَّا فنفس الصِّدق لا يتفاوت (قَالَ عَلِيٌ: وَاسْمُهُ نَافِذٌ) بالنُّون وكسر الفاء وآخرهُ مُعجَمةٌ، وزاد مسلمٌ: قال عمروٌ؛ يعني: ابن دينارٍ: ذكرت ذلك لأبي مَعْبَدٍ فأنكره، وقال: لم أحدِّثك بهذا، قال عمروٌ: وقد أخبرنيه [5] قبل ذلك، وهذه مسألةٌ معروفةٌ عند أهل علم الحديث، وهي إنكار الأصل تحديث الفرع، وصورتها: أن يروي ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا، فيكذِّبه المرويُّ عنه
ج2ص136
وفي ذلك تفصيلٌ لأنَّه إمَّا أن يجزم بتكذيبه له أم لا، وإذا جزم فتارةً يصرِّح بالتَّكذيب، وتارةً لم يصرِّح به، فإن لم يجزم بتكذيبه _كأن قال: لا أذكره_ فاتَّفقوا على قبوله لأنَّ الفرع ثقةٌ، والأصل لم يُطعَن فيه، وإن جزم وصرَّح بتكذيبه فاتَّفقوا على ردِّه لأنَّ جزمَ الفرعِ بكون الأصلِ حدَّثه يستلزم تكذيبه للأصل في دعواه أنَّه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما أَوْلى من الآخر، وإن جزم ولم يصرِّح بالتكذيب _كقول معبدٍ: لم أحدِّثك بهذا_ فسوَّى ابن الصَّلاح _تبعًا للخطيب_ بينهما أيضًا، وهو الَّذي مشى عليه الحافظ ابن حجرٍ _رحمه الله_ في «شرح النُّخبة»، لكن قال في «فتح الباري»: إنَّ الرَّاجح عند المحدِّثين القبول، وتمسَّك بصنيع مسلمٍ حيث أخرج حديث عمرو بن دينارٍ هذا مع قول أبي مَعْبَدٍ لعمروٍ: لم أحدِّثك به؛ فإنَّه دلَّ على أنَّ مسلمًا كان يرى صحَّة الحديث، ولو أنكره راويه، إذا كان النَّاقل عنه ثقةً، ويعْضدُهُ تصحيح البخاريِّ أيضًا، وكأنَّهم حملوا الشَّيخ على النِّسيان، ويؤيِّده قول الشَّافعيِّ رحمه الله في هذا الحديث بعينه: كأنَّه نسي بعد أن حدَّثه، لكنَّ إلحاق هذه الألفاظ بالصُّورة الثَّانية أظهر، ولعلَّ تصحيح هذا الحديث بخصوصه لمرجِّحٍ اقتضاه تحسينًا للظَّنِّ بالشَّيخين، لاسيَّما وقد قِيلَ، كما أشار إليه الإمام فخر الدِّين في «المحصول»: إنَّ الرَّدَّ إنَّما هو عند التَّساوي، فلو رجح أحدهما عُمِل به.
قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا الحديث من أمثلة هذا، مع أنَّه قد حُكِي عن الجمهور من الفقهاء في هذه الصُّورة القبول، وعن بعض الحنفيَّة وروايةٍ عن أحمد الرَّدُّ قياسًا على الشَّاهد، وبالجملة؛ فظاهر صنيع ابن حجرٍ اتِّفاق المحدِّثين على الرَّدِّ في صورة التَّصريح بالكذب، وقَصَرَ الخلاف على هذه، وفيه نظرٌ؛ فالخلاف [6] موجودٌ، فمن متوقِّفٍ ومن قائلٍ بالقبول مُطلَقًا، وهو اختيار ابن السُّبكيِّ تبعًا لأبي المُظَفَّر ابن السَّمعاني، وقال به أبو [7] الحسين بن القطَّان وإن كان الآمديُّ والهنديُّ حكيا الاتِّفاق على الرَّدِّ من غير تفصيلٍ، وهو ممَّا يساعد ظاهر صنيع الحافظ [8] ابن حجرٍ في الصُّورة الثَّانية، ويُنازِع في الثَّالثة، ويُجاب بأنَّ الاتِّفاق في الثَّانية والخلاف في الثَّالثة إنَّما هو بالنَّظر للمحدِّثين خاصَّةً، وهذه الجملة من قوله: «قال عليُّ...» إلى آخرها ثابتةٌ في أوَّل الحديث اللَّاحق عند الأَصيليِّ، وفي آخره عند الثَّلاثة: الأبوين [9] وابن عساكر.
ج2ص137


[1] زيد في غير (م): «والأصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[2] قوله: «وللأَصيليِّ: عن عمروٍ بدل: حدَّثنا» سقط من (م).
[3] في (م): «و».
[4] زيد في (ص) و(م): «قال».
[5] في (د): «عمرو قد أخبرتنيه»، والمثبت موافقٌ لما في «صحيح مسلم».
[6] في (ب) و(س): «فإنَّ الخلاف».
[7] في (ص): «ابن».
[8] «الحافظ»: ليس في (د).
[9] في (د): «للأبوين». والأبوان هما أبو ذر وأبو الوقت.