إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: سئل النبي فقال: رميت بعد ما أمسيت؟فقال: لا حرج

1723- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الزَّمِن العنزيُّ البصريُّ (قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) هو ابن عبد الأعلى (قال: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: سأله رجلٌ، فحذف السَّائل وأقام المفعول مُقامه (فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا [1] أَمْسَيْتُ) والمساء: من بعد [2] الزَّوال إلى المغرب [3] (فَقَالَ: لَا حَرَجَ) عليك، وخرج بالغروب ما بعده، فلا يكفي الرَّمي بعده؛ لعدم وروده كذا صرَّح به في «الرَّوضة»، واعتُرِض بأنَّهم قالوا: إذا أخَّر رمي يومٍ إلى ما بعده من أيَّام الرَّمي يقع أداءً، وقضيَّته: أنَّ وقته لا يخرج بالغروب، وأُجيبَ بحمل [4] ما هنا على وقت الاختيار، وهناك على وقت الجواز. وقد صرَّح الرَّافعيُّ بأنَّ وقت الفضيلة لرمي يوم النَّحر ينتهي بالزَّوال، فيكون لرميه ثلاثة أوقاتٍ: وقت فضيلةٍ، ووقت اختيارٍ، ووقت جوازٍ، ويبقى وقت الذَّبح للهدي إلى عصر آخر أيَّام التَّشريق كالأضحية، وأمَّا الحلق أو التَّقصير والطَّواف فلا يُؤقَّتان لأنَّ الأصل عدم التَّأقيت، نعم يُكره تأخيرهما عن يوم النَّحر، وتأخيرهما عن أيَّام التَّشريق أشدُّ كراهةً، وخروجه من مكَّة قبل فعلهما أشدُّ.
(قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: لَا حَرَجَ) والرَّجل السَّائل عن التَّقديم والتَّأخير في النَّحر والحلق ونحوهما لم يُسَمَّ، ويحتمل تعدُّده، ثمَّ إنَّ أعمال يوم النَّحر في الحجِّ أربعةٌ: رمي جمرة العقبة والذَّبح والحلق أو التَّقصير والطَّواف، وترتيبها على ما ذُكِرَ سنَّةٌ، فلو حلق أو قصَّر قبل الثَّلاثة الأُخَر فلا فدية عليه، وإنَّما لم يجب ترتيبها لمِا ذُكِر، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في «الصَّحيحين» [خ¦83]: سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يوم النَّحر في حجَّة الوداع وهم يسألونه، فقال رجلٌ: لم أشْعُر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذبح ولا حرج»، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، فقال: «ارمِ ولا حرج». ولـ «مسلمٍ» أيضًا عنه: سمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأتاه رجلٌ يوم النَّحر وهو واقفٌ عند الجمرة، فقال: يا رسول الله إنِّي حلقت قبل أن أرمي، فقال: «اِرمِ ولا حرج»، وأتاه آخر فقال: إنِّي ذبحت قبل أن أرمي، فقال: «اِرمِ ولا حرج»، فأتاه رجلٌ آخر، فقال: إنِّي أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال: «ارمِ ولا حرج»، قال: فما سُئِل عن شيءٍ يومئذٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلَّا قال: افعل ولا حرج، وقال المالكيَّة: يجب الدَّم إذا قدَّم الحلق على الرَّمي لأنَّه وقع قبل حصول شيءٍ من التَّحلُّل، وروى ابن القاسم عن مالكٍ، وبه أخذ: أنَّ في [5] تقديم الإفاضة على الرَّمي الدَّمَ، وحجُّه مجزئٌ، وعن مالكٍ: لا يجزئه، وهو كمن لم يُفِضْ، وقال أصبغ: أحبُّ إليِّ [6] أن يعيد، وذلك في يوم النَّحر آكد، ولو حلق قبل النَّحر أو نحر [7] قبل الرَّمي فلا شيء عليه على الأصحِّ، وقال عبد الملك: إن حلق قبل النَّحر أهدى، قال
ج3ص231
الطَّبريُّ: والعجب ممَّن يحمل قوله: «ولا حرج» على نفي الإثم فقط، ثمَّ يخصُّ [8] ذلك ببعض الأمور دون بعضٍ، فإن كان التَّرتيب واجبًا يجب بتركه دمٌ فليكن في الجميع، وإلَّا فما وجه تخصيص بعضٍ دون بعضٍ [9] مع تعميم الشَّارع الجميع بنفي الحرج. انتهى. وقال أبو حنيفة: عليه دمٌ، وإن كان قارنًا فدمان، وقال محمَّدٌ وأبو يوسف: لا شيء عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا حرج»، واحتجُّوا لأبي حنيفة: بما رواه ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» من حديث ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: من قدَّم شيئًا من حجَّه أو أخَّره فليهرق لذلك دمًا، وأجابوا عن حديث الباب بأنَّ المراد بالحرج المنفيِّ هو الإثم، ولا يستلزم ذلك نفي الفدية.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف من أربعة طرقٍ ومن ستَّة أوجهٍ؛ كما ترى.
ج3ص232


[1] في (ص): «أن».
[2] «بعد»: مثبتٌ من (د).
[3] في (د): «الغروب».
[4] في غير(د) و(س): «يُحمَل».
[5] «في»: ليس في (ص).
[6] «إليَّ»: ليس في (ص).
[7] في (ص): «حلق»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[8] في (ص): «يخصِّص».
[9] قوله: «فإن كان التَّرتيب واجبًا يجب... تخصيص بعضٍ دون بعضٍ» ليس في (ص).