إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أبي قتادة: كان النبي يقرأ في الركعتين

759- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي قتادة الحارث بن رِبْعِيٍّ رضي الله عنه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: ((كان رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ) بمُثنَّاتين تحتيَّتين وضمِّ الهمزة، تثنية الأُولى (مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) في كلِّ ركعةٍ سورةٌ (يُطَوِّلُ فِي) قراءة الرَّكعة (الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِي) قراءة الرَّكعة (الثَّانِيَةِ) لأنَّ النَّشاط في الأولى يكون أكثر، فناسب التَّخفيف في الثَّانية حذرًا من [1] الملل.
واستُدِلَ به على استحباب تطويل الأولى على الثَّانية، وجُمِع بينه وبين حديث سعدٍ السَّابق [خ¦755] حيث قال: أركد في الأوليين بأنَّ [2] المراد تطويلهما على الأخريين، لا التَّسوية بينهما في الطُّول.
واستُفِيد من هذا أفضليَّة [3] قراءة سورةٍ كاملةٍ ولو قَصُرَت على قراءة قدرها من طويلةٍ، قال النَّوويُّ: وزاد البغويُّ: ولو قَصُرَت السُّورة عن المقروء.
(وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا) أي: في أحيانٍ، جمع حينٍ، وهو يدلُّ على تكرار [4] ذلك منه، وللنَّسائيِّ من حديث البراء: فنسمع [5] منه الآية بعد الآية [6] من سورة «لقمان» و«الذَّاريات»، ولابن خزيمة: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] و{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية: 1] فإن قلت: العلم بقراءة السُّورة في السِّرِّية لا يكون إِلَّا بسماع كلِّها، وإنَّما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهريَّة، أُجيب باحتمال أن يكون مأخوذًا من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، أو أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخبرهم عقب [7] الصَّلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السُّورتين، وهو بعيد جدًّا، قاله ابن دقيق العيد رحمه الله (وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يَقْرَأُ فِي) صلاة (الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ) في كلِّ ركعةٍ سورةٌ واحدةٌ (وَكَانَ يُطَوِّلُ) قراءة غير الفاتحة (فِي) الرَّكعة (الأُولَى) منها، أي: ويقصر في الثَّانية (وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي) قراءة (الرَّكعة الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) ويُقاس المغرب والعشاء عليها، والسُّنَّة عند الشَّافعيَّة أن يقرأ في الصُّبح والظُّهر من طِوَال المُفصَّل، وفي العصر والعشاء من [8] أوساطه [9]، وفي المغرب من [10] قصاره لأنَّ الظُّهر وقت القيلولة، فطوَّل ليدرك المتأخِّر، والعصر وقت إتمام الأعمال [11] فخفَّف، وأمَّا المغرب فلأنَّها [12] تأتي عند إعياء النَّاس من العمل وحاجتهم إلى العَشاء، لا سيَّما الصُّوَّام.
ومحلُّ سنيَّة الطِّوال والأوساط إذا كان المصلِّي منفردًا، فإن كان إمامًا وكان المأمومون محصورين [13] وآثروا التَّطويل استُحِبَّ، وإن لم يكونوا محصورين، أو كانوا ولكن لم يؤثروا التَّطويل فلا يُسَنُّ، هكذا جزم به النَّوويُّ في «شرح المُهذَّب» فقال: هذا الَّذي ذكرناه من استحباب طِوَال المُفصَّل وأوساطه هو فيما إذا آثر المأمومون المحصورون ذلك، وإلَّا خُفِّف، وجزم به أيضًا في «التَّحقيق» و«شرح مسلمٍ» [14]، وقال الحنابلة: في الصُّبح من طِوَال المُفصَّل، وفي المغرب من قصاره، وفي الباقي من أوساطه.
وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف [خ¦776] أيضًا، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج2ص88


[1] في (م): «في»، وليس بصحيحٍ.
[2] في غير (ب) و(س): «أنَّ».
[3] في (د): «فضيلة».
[4] في غير (ص) و(م): «تكرُّر».
[5] في (ص) و(م): «فتسمع»، والمثبت موافقٌ لـ «سنن النَّسائيِّ».
[6] «بعد الآية»: سقط من النُّسخ، وعند النَّسائيِّ: «بعد الآيات».
[7] في (م): «عقيب».
[8] «من»: ليس في (د).
[9] في (م): «أواسطه».
[10] «من»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[11] في (م): «العمل».
[12] في غير (ص) و(م): «فإنَّها».
[13] في (ص): «منحصرين».
[14] قوله: (ومحلُّ سنيَّة الطِّوال والأوساط إذا كان المصلِّي منفردًا... «التَّحقيق»، و«شرح مسلمٍ») سقط من (م).