إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ارجع فصل فإنك لم تصل

          757- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بفتح المُوحَّدة وتشديد المُعجَمة (قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين، ابن عمر العمريِّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وللأَصيليِّ: ”حدَّثنا“ (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما (عَنْ أَبِيهِ) أبي سعيدٍ المقبريِّ. قال الدَّارقُطنيُّ: خالف يحيى القطَّان أصحاب عُبَيْد الله كلَّهم في هذا الإسناد، فإنَّهم لم يقولوا: «عن أبيه»، ويحيى حافظٌ، فيشبه أن يكون عبيد الله حدَّث به على الوجهين. قال الحافظ ابن حجرٍ: ولكلٍّ من الرِّوايتين وجهٌ يرجَّح، فأمَّا رواية يحيى فللزِّيادة من الحافظ[1]، وأمَّا الرِّواية الأخرى فللكثرة، ولأنَّ سعيدًا لم يُوصَف بالتَّدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثمَّ أخرج الشَّيخان الطريقين، فأخرج البخاريُّ طريق يحيى هنا[2] في «باب وجوب القراءة»، وأخرج في «الاستئذان» [خ¦6251] طريق عبد[3] الله بن نُمَيْرٍ، وفي «الأيمان» و«النُّذور» [خ¦6667] طريق أبي أسامة، كلاهما عن عُبَيْد الله ليس فيه عن أبيه، وأخرجه مسلمٌ من رواية الثَّلاثة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ☺ : (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلعم دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ) وهو خلَّاد بن رافعٍ، جدُّ عليِّ بن يحيى بن خلَّادٍ (فَصَلَّى) زاد في رواية داود ج2ص86 بن قيسٍ عند النَّسائيِّ: «ركعتين» (فَسَلَّمَ) وفي روايةٍ له: «ثمَّ جاء فسلَّم[4]» (عَلَى النَّبِيِّ صلعم ، فَرَدَّ) ╕ عليه السَّلامَ (وَقَالَ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ”فقال“: (ارْجِعْ فَصَلِّ) ولابن عساكر: ”وصلِّ“ (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ) نفيٌ للصِّحَّة لأنَّها أقرب لنفي الحقيقة من نفي الكمال، فهو[5] أَولى المجازَين كما مرَّ. فإن قلت: التَّعبير بـ «لم» دون «لمَّا» فيه لبسٌ لأنَّ «لم» محتملةٌ لاستمرار النَّفي نحو: { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ }[الإخلاص:3] وانقطاعه نحو: { لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا}[الإنسان:1] لأنَّ المعنى أنَّه كان بعد ذلك شيئًا بخلاف «لمَّا» فإنَّ منفيَّها مستمرُّ النَّفي إلى[6] الحال، وهو المراد[7] هنا، أُجيب بأنَّه لمَّا دلَّت المشاهدة على أنَّ عدم اعتداله كانَ واتَّصلَ بالحال كان ذلك قرينةً على أنَّ «لم» وقعت موقع «لمَّا» فلا لبس، وفي رواية ابن عجلان: «فقال: أعد صلاتك» (فَرَجَعَ يُصَلِّي) بياء المضارعة، على أنَّ الجملة حالٌ منتظرةٌ مُقدَّرةٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ”فصلَّى“ بالفاء (كَمَا صَلَّى) أوَّلًا (ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلعم ، فَقَالَ) له ╕ : (ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ، ثَلَاثًا) أي: ثلاث مرَّاتٍ (فَقَالَ) بزيادة فاءٍ، ولابن عساكر: ”قال“: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي) واستُشكِل كونه ╕ تركه ثلاث مرَّاتٍ يصلِّي صلاةً فاسدةً، وأجاب التُّورِبِشْتِيُّ بأنَّ الرَّجل لمَّا رجع ولم يستكشف‼ الحال من مورد الوحي كأنَّه اغترَّ بما عنده من العلم، فسكت النَّبيُّ صلعم عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا، وإرشادًا إلى استكشاف ما استَبْهَم عليه، فلمَّا طلب كشف الحال من مورده أرشده إليه[8] صلعم (فقَالَ) صلعم ، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ”قال“: (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ) أي: تكبيرة الإحرام (ثُمَّ اقْرَأْ مَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ”بما“ (تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) وفي حديث أبي داود في قصَّة المسيء صلاته من رواية رِفَاعة بن رافعٍ، رَفَعَهُ: ”إذا قمت وتوجَّهت فكبِّر، ثمَّ اقرأ بأمِّ القرآن وما شاء الله أن تقرأ“ ولأحمد وابن حبَّان: «ثمَّ اقرأ بأمِّ القرآن، ثمَّ اقرأ بما شئت» (ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ) حال كونك (قَائِمًا) وفي رواية ابن ماجه: «حتَّى تطمئن قائمًا» (ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ) حال كونك (جَالِسًا) فيه دليلٌ على إيجاب الاعتدال والجلوس بين السَّجدتين، والطَّمأنينة في الرُّكوع والسُّجود، فهو حجَّةٌ على أبي حنيفة ☼ في قوله، وليس عنه جوابٌ صحيحٌ (وَافْعَلْ ذَلِكَ) المذكور من التَّكبير، وقراءة ما تيسَّر، وهو الفاتحة، أو ما تيسَّر من غيرها بعد قراءتها، والرُّكوع، والسُّجود، والجلوس (فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا) فرضًا ونفلًا، وإنَّما لم يذكر له ╕ بقيَّة الواجبات في الصَّلاة كالنِّيَّة، والقعود في التَّشهُّد الأخير لأنَّه كان معلومًا عنده، أو لعلَّ الرَّاوي اختصر ذلك.
          وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦793] و«الاستئذان» [خ¦6251]، ومسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ وابن ماجه.


[1] في (م): «الحفَّاظ».
[2] زيد في (د): «و»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (ب) و(س) و(م): «عبيد»، وفي (د): «عبيد الله بن عمر» وكلاهما خطأٌ، والمثبت من (ص)، وهو موافقٌ لكتب التَّراجم.
[4] في (م): «سلَّم».
[5] في (ب) و(د): «فهي».
[6] في (م): «أي»، وهو تحريفٌ.
[7] في (ج) و(ص): «الَّذي».
[8] «إليه»: ليس في (م).