إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه

691- وبالسَّند قال: (حدَّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ) السَّلميُّ الأنماطيُّ البصريُّ (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) الجمحيِّ [1] المدنيِّ البصريِّ السَّكن [2] (سَمِعْتُ) ولأبي ذَرٍّ: ((قال: سمعت)) (أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ _أَوْ أَلَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ_) بالشَّكِّ [3] من الرَّاوي، و«أَمَا» و«أَلَا» بهمزة الاستفهام التَّوبيخيِّ [4]، وتخفيف الميم واللَّام قبلها واوٌ ساكنةٌ، حرفا استفتاحٍ [5]، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أوَ لَا)) بتحريك الواو، وفي أخرى: ((و [6] ألا يخشى أحدكم)) (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) أي: من السُّجود، فهو نصٌّ في السُّجود لحديث حفص بن عمر عن شعبة المرويِّ في «أبي داود»: «الَّذي يرفع رأسه والإمام ساجدٌ» ويلتحق [7] به الرُّكوع لكونه في معناه، ونصَّ على السُّجود المنطوق به لمزيد مزيَّةٍ فيه لأنَّ المصلِّيَ أقربُ ما يكون فيه من ربِّه، ولأنَّه غاية الخضوع المطلوب، كذا قرَّره في «الفتح»، وتعقَّبه صاحب «العمدة» بأنَّه لا يجوز تخصيص رواية البخاريِّ براوية أبي داود لأنَّ الحكم فيهما سواءٌ، ولو كان الحكم مقصورًا على الرَّفع من السُّجود لكان لِدعوى التَّخصيص وجهٌ، قال: وتخصيص السَّجدة بالذِّكر في رواية أبي داود من باب: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ولم يعكس الأمر لأنَّ السُّجود أعظم (قَبْلَ) رفع (الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللهُ رَأْسَهُ) الَّتي جنت [8] بالرَّفع (رَأْسَ حِمَارٍ) حقيقةً بأن يُمسَخ، إذ لا مانع من وقوع المسخ في هذه الأمَّة؛ كما يشهد له حديث أبي مالكٍ الأشعريِّ في «المعازف» الآتي _إن شاء الله تعالى_ في «الأشربة» [خ¦5590] لأنَّ فيه ذكر الخسف، وفي آخره: «ويَمْسَخُ [9] آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة»، أو تحوَّل هيئتِه الحسِّيَّة أو المعنويَّة كالبلادة الموصوف بها الحمار، فاستُعير ذلك للجاهل، ورُدَّ بأنَّ الوعيد بأمرٍ مستقبلٍ، وهذه الصِّفة حاصلةٌ في فاعل ذلك عند فعله [10] ذلك (أَوْ يَجْعَلَ اللهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ) بالشَّكِّ من الرَّاوي، والنَّصب عطفًا على الفعل السَّابق، ولـ «مسلمٍ»: «أن يجعل الله وجهه وجه حمارٍ»، ولابن حبَّان: «أن يحوِّل اللهُ رأسَه رأسَ كلبٍ»، والظَّاهر أنَّ الاختلاف حصل من تعدُّد الواقعة، أو هو من تصرُّف الرُّواة، ثمَّ إنَّ ظاهر الحديث يقتضي تحريم الفعل المذكور للتَّوعُّد [11] عليه بالمسخ، وبه جزم النَّوويُّ في «المجموع»، لكن تجزئ الصَّلاة، وقال ابن مسعودٍ لرجلٍ سبق إمامه: لا وحدك صلَّيت، ولا بإمامك اقتديت.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه الأئمَّة السِّتَّة.
ج2ص52


[1] في (س): «الجمعيِّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د): «المسكن».
[3] في (ب) و(س): «فالشَّكُّ».
[4] في (د): «بهمزة التَّوبيخ».
[5] زيد في (د): «والشَّك من الرَّاوي»، وهوتكرارٌ.
[6] في (م): «بدل أو».
[7] في (م): «يلحق».
[8] في هامش (ص): (قوله: «الَّتي جنت» الأَوْلى: الَّذي جنى لأنَّ الرَّأس مُذكَّرٌ). انتهى عجمي.
[9] في (د): «وفي آخره مسخ».
[10] في (م): «فعل».
[11] في (م): «المُتوعَّد».