إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: افعل ولا حرج

1737- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) هو يحيى بن سعيد بن أبان ابن سعيد بن العاصي الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز قال: (حَدَّثَنِي) ولأبوي ذرٍّ والوقت: ((أخبرني)) بالإفراد فيهما (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ) التَّابعيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ولأبي ذرٍّ: ((أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص)) (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: حضره حال كونه (يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ) بمنًى على راحلته (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يُعرَف اسمه (فَقَالَ): يا رسول الله (كُنْتُ أَحْسِبُ) أي: أظنُّ (أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا) الكاف للتَّشبيه، و«ذا»: للإشارة (ثُمَّ قَامَ) إليه رجلٌ (آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) أي: قال الأوَّل: كنت أظنُّ أنَّ الحلق قبل النَّحر، فحلقت قبل أن أنحر، وقال الآخر: كنت أظنُّ أنَّ النَّحر قبل الرَّمي، فنحرت قبل أن أرمي (وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ) أي: من الأشياء التي كان يحسبها على خلاف الأصل، وفي رواية محمَّد بن أبي حفصة [1] عن الزُّهريِّ عند مسلمٍ: حلقت قبل أن أرمي، وقال آخر: أفضتُ إلى البيت قبل أن أرمي.
وحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرٍو: السُّؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذَّبح، والذَّبح قبل الرَّمي، والحلق قبل الرَّمي، والإفاضة قبل الرَّمي، وفي حديث عليٍّ: السُّؤال عن الإفاضة قبل الحلق، وفي حديثه عند الطَّحاويِّ: السُّؤال عن الرَّمي والإفاضة قبل الحلق، وفي حديث جابرٍ المُعلَّق عند المؤلِّف فيما سبق [خ¦1722قبل]: السُّؤال عن الإفاضة قبل الذَّبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند [2] أبي داود: السُّؤال عن السَّعي قبل الطَّواف، وهو محمولٌ
ج3ص238
على من سعى [3] بعد طواف القدوم، ثمَّ طاف طواف الإفاضة، فإنَّه يصدق عليه أنَّه سعى قبل الطَّواف، أي: طواف الرُّكن، قال في «الفتح»: وقد بقيت عدَّة صورٍ لم يذكرها الرُّواة؛ إمَّا اختصارًا، وإمَّا لكونها لم تقع، وبلغت بالتَّقسيم أربعًا وعشرين صورةً؛ منها: صورة التَّرتيب المتَّفق عليها [4].
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: افْعَلْ) ما ذكر من التَّقديم والتَّأخير (وَلَا حَرَجَ لَهُنَّ) متعلِّقٌ بـ «قال» أي: قال لأجل هذه الأفعال (كُلِّهِنَّ) بجر اللَّام «افعل»، أو: «لهنَّ» [5] متعلِّقٌ [6] بمحذوفٍ، أي: قال يوم النَّحر لهنَّ، أو متعلِّقٌ بقوله: «لا حرج» أي: لا حرج لأجلهنَّ عليك، قاله الكرمانيُّ. قال في «الفتح»: ويحتمل أن تكون اللَّام بمعنى «عن» أي: قال عنهنَّ كلِّهنَّ: «افعل ولا حرج» (فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ) ممَّا قُدِّم أو أُخِّر [7] (إِلَّا قَالَ: افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ) وهو ظاهرٌ في رفع الإثم والفدية معًا، وقول الطَّحاويِّ: إنَّه يحتمل أن يكون قوله: «ولا حرج» أي: لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن [8] كان ناسيًا أو جاهلًا، وأمَّا من تعمَّد المخالفة فتجب [9] عليه الفدية، فيه نظرٌ لأنَّ وجوب الفدية يحتاج إلى دليلٍ، ولو كان واجبًا لبيَّنه صلى الله عليه وسلم حينئذٍ لأنَّه وقت الحاجة، فلا يجوز تأخيره، وقد أجمع العلماء على الإجزاء في التَّقديم والتَّأخير؛ كما قاله ابن قدامة في «المغني» إلَّا أنَّهم اختلفوا في وجوب الدَّم في بعض المواضع كما تقدَّم تقريره.
وفي هذا الحديث: التَّحديثُ والإخبار والعنعنة، وشيخه بغداديٌّ وأبوه كوفيٌّ، ورواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ.
ج3ص239


[1] في (ب) و(د): «حفصٍ»، والمثبت موافقٌ لما في «صحيح مسلمٍ».
[2] في (ب): «عن».
[3] في (د): «يسعى».
[4] قوله: «وهو محمولٌ على من سعى... صورة التَّرتيب المتَّفق عليها» ليس في (م).
[5] «لهنَّ»: ليس في (ص) و(م).
[6] في (م): «يتعلَّق».
[7] في غير (ب) و(س): «أُخِّر».
[8] في (د): «إنْ».
[9] في غير (س) و(ص): «فيجب».