إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله رأى رجلًا يسوق بدنةً فقال: اركبها

1689- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا) لم يُعرَف اسمه [1] (يَسُوقُ بَدَنَةً) زاد مسلمٌ: «مقلَّدةً» والبدنة: تقع على الجمل والنَّاقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وكثر [2] استعمالها فيما كان هديًا (فَقَالَ) له عليه الصلاة والسلام: (ارْكَبْهَا) لتخالف بذلك الجاهليَّة في ترك الانتفاع بالسَّائبة والوصيلة والحَامِ، وأوجب بعضهم ركوبها لهذا المعنى عملًا بظاهر هذا الأمر، وحمله الجمهور على الإرشاد لمصلحةٍ دنيويَّةٍ، واستدلُّوا بأنَّه صلى الله عليه وسلم أهدى ولم يركب، ولم يأمر النَّاس بركوب الهدايا، وجزم به [3] النَّوويُّ في «الرَّوضة» كأصلها في الضَّحايا، ونقل [4] في «المجموع» عن القفَّال والماورديِّ: جواز الرُّكوب مطلقًا، ونقل فيه عن أبي حامدٍ والبندنيجيِّ وغيرهما تقييده بالحاجة، وفي «شرح مسلمٍ»: عن عروة بن الزُّبير ومالكٍ في روايةٍ عنه وأحمد وإسحاق: له ركوبها من غير حاجةٍ بحيث لا يضرُّها، ثمَّ قال: ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابرٍ عند مسلمٍ: «اركبها بالمعروف إذا أُلجئِت إليها حتَّى تجد ظهرًا». انتهى. يعني: لأنَّه مقيَّدٌ، والمُقيَّد يقضي على المطلق، ولأنَّه شيءٌ خرج عنه لله، فلا يرجع فيه، ولو أُبيح النَّفع لغير ضرورةٍ أُبيح استئجاره ولا يجوز باتِّفاقٍ، والذي رأيته في «تنقيح المقنع» من كتب الحنابلة _وعليه الفتوى عندهم_: وله ركوبها لحاجةٍ فقط بلا ضررٍ ويضمن نقصها، وهو مذهب الحنفيَّة أيضًا (فَقَالَ) الرَّجل: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ) أي: هديٌ (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له: (ارْكَبْهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قال [5]:
ج3ص213
ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ) نُصِب أبدًا على المفعول [6] المطلق بفعلٍ من معناه، محذوفٍ وجوبًا، أي: ألزمه الله ويلًا، وهي كلمةٌ تُقال لمن وقع في الهلاك، أو لمن يستحقُّه، أو هي بمعنى الهلاك، أو مشقَّة العذاب، أو الحزن، أو وادٍ في جهنم، أو بئرٍ، أو بابٍ، لها أقوالٌ، فيحتمل إجراؤها على هذا المعنى هنا لتأخُّر المخاطب عن امتثال أمره صلى الله عليه وسلم؛ لقول الرَّاوي: (فِي) المرَّة (الثَّالِثَةِ أَوْ فِي) المرَّة (الثَّانِيَةِ) ولأبي ذرٍّ: ((ويلك، في الثَّانية أو الثَّالثة)) والشَّكُّ من الرَّاوي [7]، قال القرطبيُّ وغيره: قالها _أي: «ويلك»_ تأديبًا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، ويحتمل ألَّا يُراد بها موضوعها الأصليُّ، ويكون ممَّا جرى على لسان العرب في المخاطبة من غير قصدٍ لموضوعه كما في: تَرِبت يداك، ونحوه، وقِيل: إنَّه [8] كان أشرف على هلكةٍ من الجهد، وويلٌ: كلمةٌ تُقال لمن وقع في هلكةٍ _كما مرَّ_ فالمعنى: أشرفتَ على الهلاك فاركب، فعلى هذا هي إخبارٌ.
ج3ص214


[1] في (ص): «لم يعرفه».
[2] في (د): «وأكثر».
[3] «به»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] في غير (ب) و(س): «ونقله».
[5] في غير (ص) و(م): «فقال»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[6] في (ص) و(م): «الفعل»، وليس بصحيحٍ.
[7] في (م): «وشكَّ الرَّاوي».
[8] «إنَّه»: مثبتٌ من (م).