إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: صلى بنا النبي ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنى ركعتين

1656- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) أي [1]: ابن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ) بسكون الميم المشهور بالسَّبيعيِّ (عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ) بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الزَّاي، و«حارثة»: بالحاء المهملة والمُثلَّثة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ) ولأبي الوقت: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ) بفتح القاف وتشديد الطَّاء مضمومةً في أفصح اللُّغات: ظرف زمانٍ لاستغراق ما مضى، فيختصُّ بالنَّفي، يُقال: ما فعلته قطُّ، والعامَّة تقول: لا أفعله قطُّ، وهو خطأٌ، واشتقاقه من: قططته، أي: قطعته، فمعنى ما فعلته قطُّ: ما فعلته فيما انقطع من عمري لأنَّ الماضي منقطعٌ عن الحال والاستقبال، وبُنِيت لتضمُّنها معنى «مذ» و«إلى» إذ المعنى: مذ أن خُلِقتُ إلى الآن، وعلى حركةٍ لئلَّا يلتقي ساكنان، وكانت ضمَّةً [2] تشبيهًا بالغايات حملًا على «قبل» و«بعد»، قاله ابن هشامٍ. وتعقَّب الدَّمامينيُّ قوله _ويختصُّ بالنَّفي_ بأنَّ ملازمة «قطُّ» للنَّفي ليست أمرًا مستمرًّا [3] على الدَّوام، وإنَّما ذلك هو الغالب، قال في «التَّسهيل»: وربَّما استُعمِل «قطُّ» دونه
ج3ص195
لفظًا ومعنًى، يريد النَّفي، ومن شواهده: قوله هنا [4]: أكثر ما كنَّا قطُّ، وله نظائر، والجملة حاليَّةٌ، و«ما»: مصدريَّةٌ، ومعناه: الجمع لأنَّ ما أضيف إليه «أفعل» يكون جمعًا، و«آمنُه»: رُفِع عطفًا على «أكثر»، والضَّمير فيه راجعٌ إلى «ما»، والمعنى صلَّى بنا النَّبيُّ [5] صلى الله عليه وسلم والحال أنَّا [6] أكثر أكواننا في سائر الأوقات عددًا، وأكثر أكواننا في سائر الأوقات أمنًا، وإسناد الأمن إلى الأوقات مجازٌ، ويجوز أن تكون «ما» [7] نافيةً، خبر المبتدأ الذي هو «نحن»، و«أكثرَ»: منصوبًا على أنَّه خبر «كان»، والتَّقدير: نحن ما كنَّا قطُّ في وقتٍ أكثر منَّا في هذا الوقت ولا آمن منَّا فيه، ويجوز إعمال ما بعد «ما» فيما قبلها إذا كانت بمعنى «ليس»، فكما يجوز تقديم خبر «ليس» عليه يجوز تقديم خبر «ما» في معناه عليه (بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ) قصرًا، أي: في منًى، والعامل فيه قوله: «صلَّى».
ج3ص196


[1] «أي»: مثبتٌ من (ص).
[2] في (ص) و(م): «الضَّمَّة».
[3] زيد في (د): «في المعنى».
[4] في (م): «كنَّا»، وهو تحريفٌ.
[5] «النَّبيُّ»: ليس في (د) و(م).
[6] في (د): «أنَّنا».
[7] «ما»: ليس في (د).