إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال

1639- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ نسبةً للبس القلانس الدَّورقيَّة، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) هو إسماعيل، و«عُلَيَّة» [1] _بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة_ هو اسم أمِّه، واسم أبيه إبراهيم بن مِقْسمٍ [2] (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر بن الخطَّاب: (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما دَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَظَهْرُهُ) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره قوله: (فِي الدَّارِ) والجملة حاليَّةٌ، والضَّمير في «ظهرُهُ» لابن عمر، والمراد بالظَّهر مركوبُه من الإبل، وكان ابن عمر قد عزم على الحجِّ وأحضر مركوبه ليركب عليه ويتوجَّه (فَقَالَ) له ابنه عبد الله: (إِنِّي لَا آمَنُ) بمدِّ الهمزة وفتح الميم مُخفَّفةً، وللمُستملي فيما ذكره الحافظ ابن حجرٍ: ((لا [3] إِيمَنُ)) بكسر الهمزة وفتح الميم، وهي لغة تميمٍ، فإنَّهم يكسرون الهمزة في أوَّل مستقبل ماضيه على «فعِل» بالكسر، ولا يكسرون إذا كان ماضيه بالفتح إلَّا أن يكون فيه حرف حلقٍ؛ نحو: اِذهب، والمعنى: أخاف (أَنْ يَكُونَ الْعَامَ) نُصِبَ على الظَّرفيَّة، أي: في هذا العام (بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ) بالرَّفع فاعلُ «يكون»، وهي هنا تامَّةٌ، والظَّرف متعلِّقٌ بها، وكذا «بين النَّاس» (فَيَصُدُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَلَوْ أَقَمْتَ) هذه السَّنة وتركت الحجَّ لكان خيرًا؛ لعدم الأمن، فجواب الشَّرط محذوفٌ، ويحتمل أن تكون «لو» للتَّمنِّي فلا تحتاج [4] إلى جوابٍ (فَقَالَ) عبد الله بن عمر لابنه عبد الله: (قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم الاثنين في [5] هلال ذي القعدة سنة ستٍّ من الهجرة للعمرة حتَّى نزل بالحديبية (فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) فتحلَّل بأن خرج من النُّسك بالذَّبح والحلق، أي: مع النِّيَّة فيهما (فَإِنْ حِيلَ) بكسر الحاء المهملة بلفظ الماضي (بَيْنِي وَبَيْنَهُ) أي: البيت (أَفْعَل كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من التَّحلُّل حيث منعوه من دخول مكَّة، و«أفعلُ»: بالرَّفع _كما في «اليونينيَّة»_ على تقدير: أنا، وبالجزم على أنَّه جزاءٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فإن يُحَلْ)) بضمِّ الياء وفتح الحاء وسكون اللَّام مبنيًّا للمفعول، فـ «أفعلْ» جزمٌ فقط ({لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] ) خصلةٌ حسنةٌ من حقِّها أن يُؤتَسى بها، وهو في نفسه قدوةٌ حسنةٌ فحَسُن التَّأسِّي به؛ كقوله [6]: في البيضة عشرون مَنًّا حديدًا، أي: هي في نفسها هذا القدر من الحديد (ثُمَّ قَالَ) أي: عبد الله بن عمر: (أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا) بالتَّذكير في الأخير، ولم يكتف بالنِّيَّة، بل أراد الإعلام لمن يريد الاقتداء به. (قَالَ) عبد الله بن عبد الله بن عمر: (ثُمَّ قَدِمَ) أي: أبي عبد الله مكَّة من منًى بعد الوقوف بعرفات (فَطَافَ لَهُمَا) أي: للحجِّ والعمرة (طَوَافًا وَاحِدًا) بعد
ج3ص183
الوقوف بعرفة، وهذا موضع التَّرجمة، وحمله القائلون بطوافين وسعيين للقارن على أنَّ المراد بقوله: «طوافًا واحدًا» أي: طاف لكلٍّ منهما طوافًا يشبه الطَّواف الذي للآخر، ولا يخفى ما في ذلك، وقد روى سعيد بن منصورٍ عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «من جمع بين الحجِّ والعمرة كفاه لهما طوافٌ واحدٌ وسعيٌ واحدٌ» فهذا صريحٌ في [7] المراد.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «الحجِّ» [خ¦1708]، وكذا مسلمٌ.
ج3ص184


[1] «هو إسماعيل، وعُلَيَّة»: ليس في (م).
[2] العبارة في (ص): «هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسمٍ، وعُلَيَّة _بضمِّ العين المهملة وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة_ هو اسم أمِّه».
[3] «لا»: ليس في (ص).
[4] في (د): «يكون «لو» للتَّمنِّي فلا يحتاج».
[5] «في»: ليس في (د) و(م).
[6] في (د) و(م): «كقولك».
[7] في (د): «فهو تصريحٌ».