إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج}

(33) (بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ} [البقرة 197] ) أي: وقت الحجِّ أشهرٌ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أي: وقت الحجِّ في أشهر؛ لكن قال ابن عطيَّة: من قدَّر الكلام «في أشهر»؛ لزمه مع سقوط حرف الجرِّ نصب «الأَشْهُر» ولم يقرأ بنصبها أحدٌ، وتعقَّبه أبو حيَّان بأنَّه لا يلزم نصب «الأشهُر» مع سقوط حرف الجرِّ كما ذكره لأنَّه يُرفَع على الاتِّساع، وهذا لا خلاف فيه عند البصريِّين؛ أعني: أنَّه إذا كان ظرف الزَّمان نكرةً خبرًا عن المصادر فإنه يجوز عندهم فيه الرَّفع والنَّصب، وسواءٌ كان الحدث مستغرقًا للزَّمان أو غير مستغرقٍ، وأمَّا الكوفيُّون فعندهم في ذلك تفصيلٌ: وهو أنَّ الحدث إمَّا أن يكون مستغرقًا للزَّمان [1] فيرفع ولا يجوز فيه النَّصب، أو غير مستغرقٍ فمذهب هشامٍ أنَّه يجب فيه الرَّفع، فنقول: ميعادك يومٌ وثلاثة أيَّامٍ، وذهب الفرَّاء إلى جواز النَّصب والرَّفع كالبصريِّين، ونُقِل عن الفرَّاء في هذا الموضع: أنَّه لا يجوز نصب «الأشهُر» لأنَّ «أشهرًا» [2] نكرةٌ غير محصورةٍ، وهذا النَّقل مخالفٌ لما نُقِل عنه، فيمكن أن يكون له قولان: قولٌ كالبصريِّين، والآخر كهشامٍ. انتهى. وقال الشَّيخ أبو إسحاق في «المُهذَّب»: المراد: وقت إحرام الحجِّ لأنَّ الحجَّ لا يحتاج إلى أشهرٍ، فدلَّ على أنَّ المراد وقت الإحرام به، و«الأشهر»: جمع شهرٍ [3]، وليس المراد منه ثلاثة أشهرٍ كوامل، ولكنَّ المراد: شهران وبعض الثَّالث، فهو من إطلاق الكلِّ وإرادة البعض كما حكى الفرَّاء: له اليومَ يومانِ لم أَرَهُ، قال: وإنَّما هو يومٌ وبعضُ يومٍ آخرَ، وحُكِي عن العرب: ما رأيته من [4] خمسة أيَّامٍ، وإن كنت قد رأيته في اليوم الأوَّل واليوم الخامس، فلم يشمل الانتفاء [5] خمسة الأيَّام جميعها، بل يجعل ما رأيته في بعضه، وانتفت الرُّؤية في بعضه، كأنَّه يومٌ كاملٌ لم يره فيه، أو أنَّ اسم الجمع يشترك فيه [6] ما وراء الواحد بدليل قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التَّحريم: 4] قاله في «الكشَّاف»، وتعقَّبه في «البحر» بأنَّ ما ذكره الدَّعوى فيه عامَّةٌ؛ وهو أنَّ اسم الجمع يشترك فيه [7] ما وراء الواحد، وهذا فيه النِّزاع، والدَّليل الذي ذكره خاصٌّ، وهذا لا خلاف فيه، ولإطلاق الجمع في مثل هذا [8] على التَّثنية شروطٌ ذُكِرت في النَّحو، وأنَّه ليس من باب {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} فلا يمكن أن يُستدَلَّ به عليه.
({مَعْلُومَاتٌ}) أي: معروفاتٌ عند النَّاس لا تُشكِل عليهم ({فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ}) أوجبه على نفسه بالنِّيَّة عند الشَّافعيَّة، وبالتَّلبية [9] أو سوق الهدي عند أبي حنيفة، وهو دليلٌ على ما ذهب إليه الشَّافعيُّ أنَّ من أحرم بالحجِّ لزمه الإتمام [10] ({فَلَا رَفَثَ}) فلا جماع أو فلا فحش من [11] الكلام ({وَلَا فُسُوقَ}) ولا خروج عن حدود الشَّرع بالسَّيِّئات
ج3ص123
وارتكاب المحظورات ({وَلَا جِدَالَ}) ولا مراء مع الخدم والرُّفقة ({فِي الْحَجِّ} [البقرة 197] ) في أيَّامه الثَّلاثَّة، وقرأ: {رَفَثٌ} و {فُسُوقٌ}؛ برفعهما منوّنًا ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو على جعل «لا» ليسيَّةً [12]، وهو خبرٌ بمعنى النَّهي، أو على جعلهما جملتين حُذِف خبرهما، أو «رفثٌ» مبتدأٌ و«فسوقٌ» عُطِف عليه، والخبر محذوفٌ، وقرأ الباقون بالنَّصب بلا تنوينٍ، مبنيَّين مع «لا» الجنسيَّة، والجمهور على بناء «جدالَ» على الفتح للعموم.
({يَسْأَلُونَكَ}) ولأبي ذرٍّ: ((وقوله: {يَسْأَلُونَكَ})) ({عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة 189] ) جمع ميقاتٍ مِنَ الوقت، والفرق بينه وبين المدَّة والزَّمان: أنَّ المدَّة المطلقة: امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزَّمان: مدَّةٌ مقسومةٌ، والوقت: الزَّمان المفروض لأمرٍ.
(وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ممَّا وصله ابن جريرٍ الطَّبريُّ والدَّارقطنيُّ من طريق ورقاء: عن عبد الله بن دينارٍ عنه: (أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحَجَّةِ) فيدخل يوم النَّحر، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وقال الشَّافعيُّ: لا يدخل يوم النَّحر، وهو المُصحَّح [13] المشهور عنه، وقال مالكٌ في المشهور عنه: ذو الحجَّة بكماله لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} وإنَّما تكون أشهرًا [14] إذا كمل ذو الحجَّة، وليس المراد من كونها أشهر الحجِّ باعتبار أنَّ كل أفعاله جائزةٌ فيها، ألا ترى أنَّ الوقوف وطواف الزِّيارة وغيرهما غير جائزٍ في شوَّال؟ بل باعتبار أنَّ بعض أفعالهُ يعتدُّ بها فيها دون غيرها، كما أنَّ الآفاقيَّ إذا قدم في شوَّال، وطاف طواف القدوم، وسعى بعده ينوب هذا السَّعيُ عن السَّعيِ الواجب في الحجِّ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) ممَّا وصله ابن خزيمة والدَّارقطنيُّ والحاكم: (مِنَ السُّنَّةِ) أي [15]: من الشَّريعة (أَلَّا يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) فلو أحرم به في غير أشهره؛ كرمضان انعقد عمرةً عند الشَّافعيَّة؛ لأنَّ الإحرام شديد التَّعلُّق واللُّزوم، فإذا لم يقبل الوقتُ ما أحرم به انصرف إلى ما يقبله؛ وهو العمرة، وقال المالكيَّة والحنفيَّة: ينعقد حجًّا ولا يصحُّ شيءٌ من أفعاله إلَّا فيها؛ لكنَّه يُكرَه، قال الحنفيَّة: لأنَّه لا يأمن في التَّقديم وقوع محظورٍ، وقال المالكيَّة: لأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما أحرم به في أشهره [16].
(وَكَرِهَ عُثْمَانُ) بن عفَّان (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ) بضمِّ الخاء المعجمة (أَوْ كرْمَانَ) بكسر الكاف لأبي ذرٍّ، وبفتحها لغيره، وهذا وصله سعيد بن منصورٍ، ولفظه: حدَّثنا هُشَيْمٌ: حدَّثنا يونس [17] بن عبيدٍ، حدَّثنا [18] الحسن هو البصريُّ: أنَّ عبد الله بن عامرٍ أحرم من خراسان، فلمَّا قدم على عثمان لَامَه فيما صنع وكرهه. ولأبي سيَّارٍ أحمد بن سيَّار [19] في «تاريخ مرو» قال: لمَّا فتح عبد الله بن عامرٍ خراسان قال: لأجعلنَّ شكري لله أن أخرج من موضعي هذا محرمًا، فأحرم من نيسابور، فلمَّا قدم على عثمان لامه. وفي «تاريخ يعقوب بن أبي سفيان»: أنَّ ذلك في السَّنة التي قُتِل فيها عثمان، ووجه الكراهة ما فيه من الحرج والضرر.
ج3ص124


[1] قوله: «أو غير مستغرقٍ، وأمَّا الكوفيُّون... يكون مستغرقًا للزَّمان» ليس في (م).
[2] في (د): «الأشهُر».
[3] في (د): «الشَّهر».
[4] في (د): «منذ»، وفي (س): «مذ».
[5] في (ص): «الانتقاء»، وهو تصحيفٌ.
[6] «فيه»: ليس في (د).
[7] «فيه»: ليس في (ص) و(م).
[8] في غير (ص) و(م): «ذلك».
[9] في (د): «على نفسه بالإحرام فيهنَّ عند الشَّافعيَّة، أو بالتَّلبية».
[10] قوله: «بالنِّيَّة عند الشَّافعيَّة، وبالتَّلبية... أحرم بالحجِّ لزمه الإتمام»، ليس في (م).
[11] في (م): «في».
[12] في (د): «جنسيَّةً»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (د) و(م): «الصَّحيح».
[14] في (د): «أشهر الحجِّ».
[15] «أي»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[16] في (د): «أشهر الحجِّ».
[17] في (ص): «يوسف»، وهو تحريفٌ.
[18] في (ص) و(م): «أخبرنا».
[19] «أحمد بن سيَّار»: مثبتٌ من (د) و(س).