إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن تلبية رسول الله: لبيك اللهم لبيك

1549- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولـ «مسلمٍ» عن ابن عمر: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمةً عند مسجد ذي الحليفة أَهَلَّ، فقال: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ) [1] أي: يا الله أجبناك فيما دعوتنا، وروى ابن أبي حاتمٍ من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ قال: لمَّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [2]}[الحج: 27] قال: ربِّ؛ وما يبلغ صوتي؟ قال: أذِّن وعليَّ البلاغُ، قال: فنادى إبراهيم عليه السلام: يا أيُّها النَّاس كُتِبَ [3] عليكم الحجُّ إلى البيت العتيق، فسمعه من [4] بين السَّماء والأرض، ألا ترون النَّاس يجيئون من أقصى الأرض يلبُّون؟ ومن طريق ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ وفيه: «فأجابوه بالتَّلبية من أصلاب الرِّجال وأرحام النِّساء، وأوَّل من أجابه أهل اليمن، فليس حاجٌّ يحجُّ من يومئذٍ إلى أن تقوم الساعة إلَّا من كان أجاب إبراهيم عليه السلام يومئذٍ» زاد غيره: «فمن لبَّى مرَّةً حجَّ مرَّةً، ومن لبَّى مرَّتين حجَّ مرَّتين، ومن لبَّى أكثر حجَّ بقدر تلبيته» وقد وقع في المرفوع تكرير لفظة: «لبَّيك» ثلاث مرَّاتٍ، وكذا في الموقوف إلَّا أنَّ في المرفوع الفصلَ بين الأولى والثَّانية بقوله: «اللَّهمَّ»، وقد نُقِل اتِّفاق الأدباء على أنَّ التَّكرير اللَّفظيَّ لا يُزاد على ثلاث مرَّاتٍ (لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ) بكسر الهمزة على الاستئناف، كأنَّه لمَّا قال: «لبَّيك» استأنف كلامًا آخر، فقال: إنَّ الحمد، وبالفتح على التَّعليل، كأنَّه قال: أجبتك لأنَّ الحمد والنِّعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور، وحكاه الزَّمخشريُّ عن أبي حنيفة، وابن قدامة عن أحمد ابن حنبل، وابن عبد البرِّ عن اختيار أهل العربيَّة لأنَّه يقتضي أن تكون الإجابة مُطلَقةً غير مُعلَّلةٍ، فإنَّ الحمد والنِّعمة لله على كلِّ حالٍ، والفتح يدلُّ على التَّعليل، لكن قال في «اللَّامع» و«العمدة [5]»: إنَّه إذا كُسِرَ صار للتَّعليل أيضًا من حيث إنَّه استئنافٌ جوابًا عن سؤالٍ عن العلَّة على ما قُرِّر في البيان، حتَّى إنَّ الإمام الرَّازي وأتباعه جعلوا «إنَّ» تفيد التَّعليل نفسها، ولكنَّه مردودٌ (وَالنِّعْمَة لَكَ) بكسر النُّون: الإحسان والمنَّة مطلقًا، وبالنَّصب على الأشهر عطفًا على «الحمدَ»، ويجوز الرَّفع على الابتداء، والخبر محذوفٌ لدلالة خبر «إنَّ»، تقديره: إنَّ الحمد لك [6] والنِّعمةُ مستقرَّةٌ لك، وجوَّز ابن الأنباريِّ أن يكون الموجودُ خبرَ المبتدأ، وخبر «إنَّ» هو المحذوف (وَالْمُلْك) لك؛ بضمِّ الميم والنَّصب عطفًا على اسم «إن»، وبالرَّفع على الابتداء والخبر محذوفٌ لدلالة الخبر المتقدِّم، ويحتمل أن يكون تقديره: والمُلْكُ كذلك (لَا شَرِيكَ لَكَ) في ملكك، وروى النَّسائيُّ وابن ماجه وابن حبَّان في «صحيحه» والحاكم في «مُستدرَكه» عن أبي هريرة قال [7]:
ج3ص114
«كان من تلبية النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: لبَّيك إله الحقِّ، لبَّيك»، وعند الحاكم عن عكرمة عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وقف بعرفاتٍ، فلمَّا قال: «لبَّيك اللَّهمَّ لبَّيك [8]» قال [9]: «إنَّما الخير خير الآخرة»، وعند الدَّارقطنيِّ في «العلل» عن أنس بن مالكٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لبَّيك حجًّا حقًّا تعبُّدًا ورقًّا»، وزاد مسلمٌ في حديث الباب: [10] قال نافعٌ: وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها: «لبَّيك لبَّيك، لبَّيك وسعديك، والخير بيديك، لبَّيك [11]، والرَّغباء إليك والعمل» ولم يذكر البخاريُّ هذه الزِّيادة [12]، فهي من أفراد مسلمٍ خلافًا لما تُوهِمُه عبارة «جامع الأصول»، والحافظ المنذريُّ في «مختصر السُّنن»، والنَّوويُّ في «شرح المُهذَّب»، وقوله: «وسعديك» هو من «باب لبَّيك»، فيأتي فيه ما سبق من التَّثنية والإفراد، ومعناه: أسعدني إسعادًا بعد إسعادٍ، فالمصدر فيه [13] مضافٌ للفاعل، وإن كان الأصل في معناه: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعادٍ، على أنَّ المصدر فيه مضافٌ للمفعول [14] لاستحالة ذلك هنا، وقِيلَ: المعنى: مساعدةً على طاعتك بعد مساعدةٍ، فيكون من المضاف للمنصوب، وقوله: «والرَّغباء» بفتح الرَّاء والمدِّ، وبضمِّها مع القصر كالعَلاء والعُلا، وبالفتح مع القصر، ومعناه: الطَّلب والمسألة؛ يعني أنَّه تعالى هو المطلوب [15] المسؤول منه، فبيدِه جميع الأمور والعمل له سبحانه لأنَّه المستحقُّ للعبادة وحده، وفيه حذفٌ يحتمل أنَّ تقديره: «والعمل إليك» أي: إليك القصد به، والانتهاء به إليك لتجازي عليه، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع، وزاد: «لبَّيك مرغوبًا [16] ومرهوبًا إليك، ذا النَّعماء والفضل الحسن»، وهذا يدلُّ على جواز الزِّيادة على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا استحبابٍ ولا كراهةٍ، وهذا مذهب الأئمَّة الأربعة، لكن قال ابن عبد البرِّ: قال مالكٌ: أكره أن يزيد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن يفرد ما رُوِي مرفوعًا، ثمَّ يقول الموقوف على انفراده حتَّى لا يختلط بالمرفوع. قال إمامنا الشَّافعيُّ رحمة الله عليه فيما حكاه عنه البيهقيُّ في «المعرفة»: ولا ضُيِّق على أحدٍ في مثل ما قال ابن عمر ولا غيره من تعظيم الله ودعائه مع [17] التَّلبية، غير أنَّ الاختيار عندي أن يُفرِد ما رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من التَّلبية، وفي «سنن» أبي داود وابن ماجه عن جابرٍ قال: أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر التَّلبية، قال: «والنَّاس يزيدون [18]: ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يسمع فلا يقول [19] لهم شيئًا»، وفي «تاريخ مكَّة» للأزرقيِّ بسندٍ معضلٍ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقد مرَّ بفجِّ الرَّوحاء سبعون نبيًّا، تلبيتهم شَتَّى، منهم يونس بن متَّى، وكان يونس يقول: لبَّيك فرَّاجَ الكَرْبِ لبَّيك، وكان موسى يقول: لبَّيك أنا عبدك لديك لبَّيك»، قال [20]: «وتلبية عيسى: أنا عبدك وابن أَمَتِك بِنْتِ عَبْدَيك»، واستحبَّ الشَّافعيَّة أن [21] يصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من التَّلبية، ويسأل الله رضاه والجنَّة، ويتعوَّذ به من النَّار، واستأنسوا لذلك [22] بما رواه الشَّافعيُّ والدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ من رواية صالح بن محمَّد بن زائدة، عن عمارة بن خزيمة بن ثابتٍ، عن أبيه: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى رضوانه والجنَّة، واستعفاه [23] برحمته من النَّار»، قال صالحٌ: سمعت القاسم بن محمَّدٍ يقول: كان [24] يَستحَبُّ للرَّجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلِّي على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وصالحٌ هذا ضعيفٌ عند الجمهور، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا.
ج3ص115


[1] «لبَّيك»: ليس في (م).
[2] في (د): « «في الحجِّ؛ أي: بدعوة الحجِّ».
[3] زِيدَ في (د): «الله».
[4] في غير (د): «ما».
[5] في غير (د): «والعدَّة»، وهو تحريفٌ.
[6] «لك»: ليس في (د).
[7] زيد في (د): «قال»، وهو تكرارٌ.
[8] «لبَّيك»: ليس في (م).
[9] زيد في (د): «لبَّيك»، وليس بصحيحٍ.
[10] زيد في (د): «فذكرها حتَّى».
[11] «لبَّيك»: ليس في (د).
[12] في (د): «لبَّيك اللهمَّ لبَّيك وسعديك، والخير في يديك، والرَّغباء إليك، والعمل، ولم يذكر هذه الزِّيادة».
[13] زيد في (ص): «غير»، وليس بصحيحٍ.
[14] في (م): «للفاعل»، وليس بصحيحٍ.
[15] «المطلوب»: ليس في (ص).
[16] في غير (د) و(س): «مرفوعًا»، وهو تحريفٌ.
[17] في (د): «من»، وهو تحريفٌ.
[18] في غير (د) و(س): «يريدون» وهو تصحيفٌ.
[19] في غير (ص) و(م): «فلم يقل».
[20] «قال»: ليس في (م).
[21] في (د): «أنَّه».
[22] في (م): «في ذلك».
[23] في (د): «واستعاذه».
[24] في (ص): «كما».