إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب جهر الإمام بالتأمين

(111) (باب جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ) عقب قراءة الفاتحة في الصَّلاة الجهريَّة، والتَّأمين مصدر «أمَّن» بالتَّشديد، أي: قال: آمينَ؛ وهو بالمدِّ والتَّخفيف، مبنيٌّ على الفتح؛ لاجتماع ساكنين نحو: «كيف»، وإنَّما لم يُكسَر بعد الياء [1] لثقل الكسرة بعد الياء، ومعناه عند الجمهور: اللَّهُمَّ استجبْ، وقِيلَ: هو اسمٌ من أسماء الله تعالى، رواه عبد الرَّزَّاق عن أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ، وأنكره جماعةٌ منهم النَّوويُّ، وعبارته في «تهذيبه»: هذا لا يصحُّ لأنَّه ليس في [2] أسماء الله تعالى اسمٌ مبنيٌّ ولا غير مُعرَبٍ، وأسماء الله تعالى لا تثبت إلَّا بالقرآن أو [3] السُّنَّة، وقد عُدِمَ الطَّريقان. انتهى. وما حُكِي من تشديد ميمها فخطأٌ.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (آمِينَ دُعَاءٌ) يقتضي أن يقوله الإمام لأنَّه في مقام الدَّاعي، بخلاف قول المانع: إنَّه جوابٌ مُختَصٌ بالمأموم، ويؤيِّد [4] ذلك قول عطاءٍ: (أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله على إثر أمِّ القرآن (وَ) أمَّن (مَنْ وَرَاءَهُ) من المقتدين بصلاته (حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ) أي [5]: لأهل المسجد (لَلَجَّةً) بلامين، الأولى لام الابتداء الواقعة في اسم «إنَّ» المكسورة بعد «حتَّى»، واللَّام الثَّانية من نفس الكلمة، والجيم مُشدَّدةٌ؛ أي [6]: الصَّوت المرتفع [7]، ويُروَى: ((لجَلَبَةً)) بفتح الجيم واللَّام والمُوحَّدة وهي الأصوات المختلفة [8] وفي حاشية فرع [9] «اليونينيَّة» ممَّا صُحِّح عليه من غير رقمٍ: ((لَزجَّةً)) بالزَّاي المنقوطة، وفي غيرها: بـ «الرَّاء» بدل «اللَّام» وعزاها في «الفتح» لرواية البيهقيِّ.
ومناسبة قول عطاءٍ هذا للتَّرجمة: أنَّه حكم بأنَّ التَّأمين دعاءٌ، فاقتضى ذلك أن يقوله الإمام، لأنَّه في مقام الدَّاعي بخلاف قول المانع: إنَّها
ج2ص98
جواب الدُّعاء فتختصُّ بالمأموم، وجوابه أنَّ التَّأمين بمثابة التَّلخيص بعد البسط، فالدَّاعي يفصِّل والمؤَمِّن يجمل [10]، وموقعها [11] بعد القائل: اللَّهُمَّ استجب لنا ما دعوناك به من الهداية إلى {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولا تجعلنا من {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6-7] تلخيص [12] ذلك تحت قوله: آمين، فإن قالها الإمام فكأنَّه دعا مرتَّين مفصِّلًا ثمَّ مُجْمِلًا، وإن قالها المأموم فكأنَّه اقتدى بالإمام، حيث دعا بدعاء «الفاتحة» فدعا بها هو مجملًا.
(وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يُنَادِي الإِمَامَ) هو العلاء بن الحضرميِّ كما عند عبد الرَّزَّاق: (لَا تَفُتْنِي) بضمِّ الفاء وسكون المثنَّاة الفوقيَّة مِنَ الفَوات، ولابن عساكر: ((لا تسبقني)) (بِآمِينَ) من السَّبق، وعند البيهقيِّ: كان أبو هريرة يؤذِّن لمروان، فاشترط أبو هريرة [13] ألَّا يسبقه بـ {الضَّالِّينَ} حتَّى يعلم أنَّه دخل في الصَّفِّ، وكأنَّه كان يشتغل بالإقامة وتعديل الصُّفوف، فكان مروان يبادر إلى الدُّخول في الصَّلاة قبل فراغ أبي هريرة، فكان أبو هريرة ينهاه عن ذلك.
(وَقَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عنه قال: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه إذا ختم أمَّ القرآن (لَا يَدَعُهُ) أي: التَّأمين (وَيَحُضُّهُمْ) بالضَّاد المعجمة، على قوله عقبها، قال نافعٌ: (وَسَمِعْتُ مِنْهُ) أي: من ابن عمر (فِي ذَلِكَ) أي: التَّأمين (خَيْرًا) بسكون المثنَّاة التَّحتيَّة، أي: فضلًا وثوابًا، وللحَمُّويي والمُستملي وابن عساكر: ((خبرًا)) بفتح المُوحَّدة، أي: حديثًا مرفوعًا.
ج2ص99


[1] «بعد الياء»: ليس في (د) و(س).
[2] في (ص): «من».
[3] في (م): «و».
[4] في (م): «يؤكِّد».
[5] في (م): «أو».
[6] في (ب) و(س): «هي».
[7] في (د): «أي: لصوتٌ مرتفعٌ»، وفي هامش(ص): (قوله: «لصوتٌ مرتفعٌ» كذا في النُّسخ، وهو تفسيرٌ لـ «لجَّة» المنصوب بـ «إنَّ»، فالأولى عبارة الأنصاريِّ؛ أي: لصوتًا مرتفعًا، وفي نسخةٍ: «لجلبةً» بجيمٍ فلامٍ فمُوحَّدةٍ؛ أي: لأصواتٌ مختلطةٌ). انتهى.
[8] في (د): «أي: أصواتٌ مختلطةٌ».
[9] «حاشية فرع»: مثبتٌ من (م).
[10] في (م): «يكمل».
[11] في (ص): «موضعها».
[12] في (ص): «فتلخيص».
[13] «أبو هريرة»: مثبتٌ من (ب) و(س).