إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أنس: خرَّ رسول الله عن فرس فجحش

733- وبه قال: (حدَّثنا قُتَيْبَةُ) ولغير أبوي الوقت وذَرٍّ وابن عساكر: ((ابْنُ سَعِيدٍ)) (قَالَ: حدَّثنا لَيْثٌ) بالمثلَّثة، هو ابن سعدٍ، وللأربعة: ((اللَّيث)) بلام التَّعريف (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ: خَرَّ) بفتح الخاء المُعجَمَة وتشديد الرَّاء، أي: سقط (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ) بتقديم الجيم على الحاء وآخره شين [1] مُعْجَمَةٌ، أي: خدشٍ؛ وهو قشر جلد العضو، وفي رواية: ((فجحش ساقه)) (فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ) وفي رواية: ((فصلَّينا وراءه)) (قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي [2] والمُستملي: ((فلمَّا انصرف)) (فَقَالَ: إِنَّمَا الإِمَامُ _أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ_ لِيُؤْتَمَّ بِهِ) يحتمل أن يكون «جعل» بمعنى: سُمِّي، فيتعدَّى إلى مفعولين؛ أحدهما: الإمام القائم مقام الفاعل، والثَّاني: محذوفٌ، أي: إنَّما جُعِلَ الإمامُ إمامًا، ويحتمل أن يكون بمعنى: «صار» أي: إنَّما صُيِّرَ الإمام إمامًا، ويحتمل أن يكون فاعله [3] ضمير «الله» أي: جعلَ اللهُ الإمامَ أو ضميرَ النَّبيِّ [4] صلى الله عليه وسلم، واللَّام في «لِيُؤْتَمَّ به» لام «كي»، والفعل منصوبٌ بإضمار «أن»، والشَّكُّ في زيادة لفظ: «جُعِل» من الرَّاوي (فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) الأمر للوجوب، وهو موضع التَّرجمة، ومراده: الرَّدُّ على القائل من السَّلف: إنَّه يجوز الدُّخول في الصَّلاة بغير لفظٍ، بل بالنِّيَّة فقط، وعلى القائل: إنَّه [5] يجوز الدُّخول فيها بكلِّ لفظٍ يدلُّ على التَّعظيم كما مرَّ عن أبي حنيفة، ووجوبه على المأموم ظاهرٌ من الحديث، وأمَّا الإمام فمسكوتٌ عنه، ويمكن أن يُقال: في السِّياق إشارةٌ إلى الإيجاب لتعبيره بـ «إذا» الَّتي تختصُّ بما يجزم بوقوعه، والأمر شاملٌ لكلِّ التَّكبيرات إِلَّا أنَّ الدَّليل من خارجٍ أخرج غير تكبيرة الإحرام من الوجوب إلى السُّنِّيَّة كـ «ربَّنا ولك الحمد»، واستُدِلَّ به على أنَّ أفعال المأموم تكون متأخِّرةً عن أفعال الإمام، فيكبِّر للإحرام بعد فراغ الإمام من التَّكبير، ويركع بعد شروع الإمام في الرُّكوع، وقبل رفعه منه، وكذا سائر الأفعال، فلو قارنه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته، أو في غيرها كُرِه، وفاتته فضيلة الجماعة، واستدلال ابن بطَّالٍ وابن دقيق العيد بذلك بأنَّه رتَّب فعله على فعل الإمام بالفاء المقتضية للتَّرتيب والتَّعقيب [6]، تعقَّبه الوليُّ ابن [7] العراقي بأنَّ الفاء المقتضية للتَّعقيب هي العاطفة، أمَّا الواقعة في جواب الشَّرط فإنَّما هي للرَّبط، قال: والظَّاهر أنها [8] لا دلالة لها على التَّعقيب، على أنَّ في دلالتها على التَّعقيب
ج2ص71
مذهبين، حكاهما أبو حيَّان في «شرح التَّسهيل»، ولعلَّ أصلهما: أنَّ الشَّرط مع الجزاء أو متقدِّمٌ [9] عليه، وهذا يدلُّ على أنَّ التَّعقيب إن قلنا به فليس من الفاء، وإنَّما هو من ضرورة تقدُّم الشَّرط على الجزاء، والله أعلم. انتهى.
(وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا) مفعول «فارفعوا» محذوفٌ كمفعول «فاركعوا» (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) بغير واوٍ، وفي السَّابقة [خ¦732] بإثباتها، وهما سواءٌ كما قال أصحابنا، نعم في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((ولك الحمد)) بالواو، وهو [10] يتعلَّق [11] بما قبله، أي: سمع الله لمن حمدهُ، يا ربَّنا فاستجب حمدنا ودعاءنا، ولك الحمد على هدايتنا (وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا).
ج2ص72


[1] «شينٌ»: مثبتٌ من (م).
[2] في (م): «وللحمُّويي».
[3] في (ص): «الفاعل».
[4] في (ص): «والضَّمير للنَّبيِّ».
[5] في (ص): «بأنَّه».
[6] في (د): «وللتَّعقيب».
[7] «ابن»: مثبتٌ من (ص).
[8] في (د) و(ص): «أنَّه».
[9] في (ص): «يتقدَّم».
[10] في (د): «وهذا».
[11] في (ص): «متعلِّقٌ».