إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن معاذ بن جبل يصلي مع النبي ثم يرجع فيؤم قومه

700- وبالسَّند قال: (حدَّثنا مُسْلِمٌ) وللأَصيليِّ: ((مسلم بن إبراهيم)) (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن دينارٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ رضي الله عنه (أَنَّ مُعَاذَ ابْنَ جَبَلٍ) رضي الله عنه: (كَانَ يصلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) عشاء الآخرة؛ كما زاده مسلمٌ من رواية منصورٍ عن عمرٍو، فلعلَّها الَّتي كان يواظب فيها على الصَّلاة مرَّتين (ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) وللمؤلِّف في «الأدب» [خ¦6106]: «فيصلِّي [1] بهم الصَّلاة» أي: المذكورة [2]، وللشَّافعيِّ: «فيصلِّيها بقومه في بني سلمة» وفي الحديث حجَّةٌ للشَّافعيِّ وأحمد أنَّه تصحُّ صلاة المفترض خلف المتنفِّل كما تصحُّ صلاة المتنفِّل خلف المفترض لأنَّ معاذًا كان قد سقط فرضه بصلاته مع [3] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكانت صلاته بقومه نافلةً وهم مفترضون، وقد وقع التَّصريح بذلك في رواية الشَّافعيِّ والبيهقيِّ: «هي له تطوُّعٌ ولهم مكتوبة العشاء» [4] قال الإمام [5] في «الأمِّ»: وهذه الزِّيادة صحيحةٌ، وخالف في ذلك مالكٌ وأبو حنيفة فقالا: لا تصحُّ.
ج2ص56
701- و(قال) أي: المؤلِّف، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت إسقاط: «قال»: (وَحَدَّثَنِي) بواو العطف والإفراد، وسقطت واو «وحدَّثني» لأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والشِّين المُعجَمَة (قَالَ: حدَّثنا غُنْدَرٌ) محمَّد بن جعفر (قَالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينارٍ (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريَّ (قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يصلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وسقط «ابن جبلٍ» لابن عساكر (ثُمَّ يَرْجِعُ) من عند النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ) بني سلمة بتلك الصَّلاة (فَصَلَّى) بهم (الْعِشَاءَ) ولأبي عَوانة: «المغرب» وحُمِل على تعدُّد الواقعة (فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ) بالمُوحَّدة، وفي نسخةٍ: ((فقرأ البقرة)) أي: ابتدأ بقراءتها، ولـ «مسلمٍ»: «فافتتح سورة [6] البقرة» (فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ) هو حزْمٌ؛ بالحاء المُهْمَلَة [7] والزَّاي المُعجَمَة السَّاكنة، ابن أُبيِّ بن كعبٍ كما رواه أبو داود وابن حبَّان، أو حرامٌ _بالمُهْمَلَة والرَّاء_ ابن مِلْحان؛ بكسر الميم وبالمُهْمَلَة، خال أنسٍ، قاله ابن الأثير، أو هو سَلْم _بفتح أوَّله وسكون اللَّام_ ابن الحارث. حكاه الخطيب، أو الألف واللَّام للجنس، أي: واحدٌ من الرِّجال، والمُعرَّف تعريف الجنس كالنَّكرة في مؤداه [8]، وللنَّسائيِّ: «فانصرف الرَّجل فصلَّى في ناحية المسجد» وهو يحتمل أن يكون قطع الصَّلاة أو القدوة، قال في «شرح المُهذَّب»: له أن يقطع القدوة، ويتمَّ صلاته منفردًا وإن لم يخرج منها، قال: وفي هذه المسألة ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أن [9] يجوز لعذرٍ ولغير عذرٍ، والثَّاني: لا يجوز مطلقًا، والثَّالث: يجوز لعذرٍ ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذرٌ على الأصحِّ. انتهى. وفي «مسلمٍ» _كما مرَّ_: «فانحرف رجلٌ فسلَّم، ثمَّ صلَّى وحده»، وهو ظاهرٌ في أنَّه قطع الصَّلاة من أصلها، ثمَّ استأنفها، فيدلُّ على جواز قطع الصَّلاة وإبطالها لعذرٍ، وقال الحنفيَّة والمالكيَّة في المشهور عندهم: لا يجوز ذلك لأنَّ فيه إبطال عملٍ (فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ) بسوءٍ، فقال _كما لابن حبَّان والمصنِّف في «الأدب» [خ¦6106]_: «إنَّه منافقٌ» وقوله: «فكأنَّ» بهمزةٍ ونونٍ مُشدَّدةٍ، و«تناول» بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ آخره لامٌ قبلها واوٌ، وللأربعة: ((فكان معاذٌ ينال منه)) بإسقاط همزة «كأنَّ» وتخفيف النُّون، و«ينال»؛ بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ وإسقاط الواو، وهذه تدلُّ على كثرة ذلك منه بخلاف تلك (فَبَلَغَ) ذلك (النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وللنَّسائيِّ: «فقال معاذٌ: لئن أصبحتُ لأذكرنَّ ذلك للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، فأرسل إليه فقال: ما الَّذي حملك على الَّذي صنعت؟ فقال: يا رسول الله عملت على ناضِحٍ لي بالنَّهار، فجئت وقد أُقِيمت الصَّلاة، فدخلتُ المسجد فدخلتُ معه في الصَّلاة، فقرأ سورة [10] كذا وكذا، فانصرفت فصلَّيت في ناحية المسجد» (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: أنت (فَتَّانٌ) أنت (فَتَّانٌ) أنت (فتان) قال ذلك (ثَلَاثَ مِرَارٍ) ولابن عساكر في نسخةٍ: ((مرَّاتٍ)) و«فتَّانٌ»؛ بالرَّفع في الثَّلاث: خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: أنت منفِّرٌ عن الجَّماعة، صادٌّ عنها لأنَّ التَّطويل كان سببًا للخروج من الصَّلاة وترك الجماعة، وفي «الشُّعب» للبيهقيِّ بإسنادٍ صحيحٍ عن عمرٍو: «لا تبغِّضوا الله إلى عباده؛ يكون أحدكم إمامًا، فيطوِّل على القوم [11] حتَّى يبغض إليهم ما هم فيه» ولابن عيينة: «أفتَّانٌ أنت» بهمزة الاستفهام الإنكاريِّ، والتَّكرار للتَّأكيد (أَوْ قَالَ: فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنًا) بالنَّصب في الثَّلاث، خبر «تكون» المقدَّرة، أي: تكون فاتنًا، لكن في غير رواية الأربعة: ((فاتنٌ)) الأخيرة [12] بالرَّفع؛ بتقدير: أنت، والشَّكُّ من الرَّاوي، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: «من جابرٍ» (وَأَمَرَهُ) عليه الصلاة والسلام أن يقرأ (بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ) يؤمُّ بهما قومه (قَالَ عَمْرٌو) هو ابن دينارٍ: (لَا أَحْفَظُهُمَا) أي: السُّورتين المأمور بهما، نعم في رواية سُلَيْم [13] بن حيَّان [14] عن عمرٍو [خ¦6106]: «اقرأ {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [15] و{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} ونحوهما» وللسَّرَّاج: «أَمَا يكفيك أن تقرأ: بالسَّماء والطَّارق، والشَّمس وضحاها»، وفي «مُسنَد» وهبٍ: «اقرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} و{الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1]»، ولأحمد بإسنادٍ قويٍّ: «{اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ}» والسُّور الَّتي مثَّل بهنَّ [16] من قصار المُفصَّل، فلعلَّه أراد المعتدل؛ أي [17]: المناسب للحال منها، وكأنَّ قول عمرٍو الأوَّل وقع منه في حال تحديثه لشعبة، ثمَّ ذكره، وأوَّل المُفصَّل: من «الحجرات»، أو من «القتال»، أو من «الفتح»، أو من «ق»، وطواله: إلى سورة «عمَّ»، وأوساطه: إلى «الضُّحى»، أو طواله: إلى «الصَّفِّ»، وأوساطه: إلى
ج2ص57
«الانشقاق»، والقصار إلى آخره...، كلُّها أقوالٌ.
واستُنبِط من الحديث: صحَّة اقتداء المفترض بالمتنفِّل لأنَّ معاذًا كان فرضه الأولى والثَّانية نفلٌ لزيادةٍ في الحديث عند الشَّافعيِّ وعبد الرَّزَّاق والدَّارقُطنيِّ: «هي له تطوُّعٌ ولهم فريضةٌ» وهو حديثٌ صحيحٌ، رجاله رجال الصَّحيح، وصرَّح ابن جريجٍ في رواية [18] عبد الرَّزَّاق بسماعه، فانتفت تهمة تدليسه، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة خلافًا للحنفيَّة والمالكيَّة، واستُنبِط منه أيضًا: تخفيف الصَّلاة مراعاةً لحال المأمومين.
ورواة الحديث الأوَّل أربعةٌ، وهو مُختَصَرٌ، والظَّاهر أنَّ قوله في الحديث الثَّاني: «فصلَّى العشاء...» إلى آخره داخلٌ تحت الطَّريق الأولى، وكان الحامل له على ذلك أنَّها لو خلت عن [19] ذلك لما طابقت التَّرجمة ظاهرًا، لكن لقائلٍ أن يقول: مراد البخاريِّ بذلك الإشارة إلى أصل الحديث على عادته، واستفاد بالطَّريق الأولى علوَّ الإسناد، كما أنَّ في الطَّريق الثَّانية فائدةُ التَّصريح بسماع عمرٍو من جابرٍ، وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج2ص58


[1] في (م): «الأخيرة كما زاد مسلم في»، والمثبت موافق للفتح 2/193.
[2] قوله: «أي» مثبتة من (د).
[3] زيد في (س): «العشاء».
[4] «العشاء»: ليس في (س).
[5] «الإمام»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[6] في (م): «بسورة».
[7] في (د): «حزمٌ؛ بالمهملة».
[8] في (د): «مراده».
[9] في (د): «أنَّه».
[10] في غير (ب) و(س): «بسورة»، والمثبت موافقٌ لما في «النَّسائيِّ».
[11] زيد في (د): «الصَّلاة».
[12] في (ص) و(م): «الأخير».
[13] في (د): «مسلم»، وهو تحريفٌ.
[14] في غير (ص) و(م): «حبَّان»، وهو تحريفٌ.
[15] «{وَضُحَاهَا}»: ليس في (د).
[16] في (م): «لهنَّ».
[17] «أي»: ليس في (د).
[18] في (س): «راويه».
[19] في غير (د) و(م): «دخلت».