إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ألا تحتسبون آثاركم

656- وبه قال: (وَحَدَّثَنَا) بواو العطف، ولغير أبي ذَرٍّ: ((وَقَالَ)) (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) سعيد بن الحكم ابن محمَّد بن أبي مريم، الجمحيُّ البصريُّ (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيُّ المصريُّ [1] (قال:
ج2ص29
حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ) الطَّويل (قال: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ رضي الله عنه، ولأبي ذَرٍّ: ((عن أنسٍ)) (أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ) بكسر اللَّام (أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ) لكونها كانت بعيدةً من [2] المسجد (فَيَنْزِلُوا) منزلًا (قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ) أي: من مسجده (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ) أنسٌ: (فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَنْ يُعْرُوا الْمَدِينَةَ) بضمِّ الُمثنَّاة التَّحتيَّة وسكون العين المهملة وضمِّ الرَّاء، أي: يتركوها خاليةً، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أن يُعْرُوا منازلَهم)) فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تبقى جهات المدينة عامرة بساكنيها (فَقَالَ: أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟) أي: ألا تعدُّون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد؟ زاد في رواية الفزاريِّ في «الحجِّ» [خ¦1887] «فأقاموا»، ولـ «مسلمٍ» من حديث جابرٍ: فقالوا: «ما يسرُّنا أنَّا كنَّا تحوَّلنا».
(قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ: آثَارُهُمْ، أَنْ يُمْشَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، وفي روايةٍ: ((أن يمشوا)) وفي روايةٍ لأبي ذَرٍّ: ((والمشي)) (فِي الأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ) وزاد قتادة: فقال: لو كان الله عزَّ وجلَّ مُغْفِلًا [3] شيئًا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي [4] الرِّياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كلَّه، حتَّى أحصى عليه هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله فليفعل، وأشار المؤلِّف بهذا التَّعليق المسوق مرَّتين إلى أنَّ قصَّة بني سَلِمة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مصرَّحًا به عند ابن ماجه بإسنادٍ قويٍّ، وكذا عند ابن أبي حاتمٍ، قال الحافظ ابن كثيرٍ: وفيه غرابةٌ من حيث ذكر [5] نزول هذه الآية، والسُّورة بكمالها مكِّيَّةٌ. انتهى. قلت: قال أبو حيَّان: السُّورة كلُّها [6] مكِّيَّةٌ، لكن زعمت فرقةٌ أنَّ قوله تعالى: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] نزلت [7] في بني سلمة من الأنصار، وليس هذا [8] زعمًا صحيحًا. انتهى. لكن يترجَّح الأوَّل بقوَّة إسناده.
ورواة هذا الحديث ما بين طائفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول [9].
ج2ص30


[1] في (د): «البصريُّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «عن».
[3] في هامش (ص): (قوله: «مُغْفِلًا» بضمِّ وسكون ثانيه وكسر ثالثه، اسم فاعلٍ؛ بمعنى: غافلٍ، مِن أغفلت الشَّيء إغفالًا: تركته إهمالًا على ذكرٍ للحال). انتهى عجمي.
[4] في هامش (ص): (قوله: «ما تعفي» كذا في نسخٍ، ولعلَّ صوابه: ما تعفو، قال في «المصباح»: عفا المنزل يعفو عفوًا: _بالفتح والمدِّ_ دَرَسَ، وعفته الرِّيح: يُستعمَل لازمًا ومتعدِّيًا، ومنه: عفا الله عنك؛ أي: محا ذنوبَك). انتهى.
[5] في (د): «ذكره».
[6] في (م): «بكمالها».
[7] في (ب) و(س): «نزل».
[8] «هذا»: ليس في (ص) و(م).
[9] قوله: «ورواة هذا الحديث ما بين طائفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول» سقط من (ص) و(م).