إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: خطبنا ابن عباس في يوم ردغ فلما بلغ المؤذن

616- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابن زيدٍ (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (وَعَبْدِ الْحَمِيدِ) بن دينار (صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمٍ) أي: ابن سليمان (الأَحْوَلِ) ثلاثتهم (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) البصريِّ، ابن عمِّ محمَّد بن سيرين (قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاس) رضي الله عنهما يوم جمعةٍ كما لابن عُلَيَّة (فِي يَوْمِ رَدْغٍ) بالإضافة وفتح الرَّاء وسكون الدَّال المهملة وبالغين المعجمة، كذا للكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت وابن السَّكن، أي: يوم ذي طينٍ قليلٍ من مطرٍ ونحوه، أو وحلٍ شديدٍ [1]، وفي الفرع بتنوين: ((يومٍ)) وللقابسيِّ والأكثرين: ((رزغٍ)) بزايٍ موضع الدَّال، أي: غيمٍ باردٍ أو [2] ماءٍ قليلٍ في الثِّماد [3] (فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ) إلى أن يقول: (حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ) أو [4] أراد أن يقولها (فَأَمَرَهُ) ابن عبَّاسٍ (أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ) بدلها بنصب «الصَّلاة» بتقدير: صلُّوا أو أدُّوا، ويجوز الرَّفع على الابتداء، و«الرِّحال»: بالحاء المهملة، جمع «رحلٍ» وهو مسكن الشَّخص وما فيه أثاثه، أي: صلُّوا في منازلكم، ولابن عُلَيَّة: إذا قلت: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله فلا تقل: حيَّ على الصَّلاة، وفي حديث ابن عمر: أنَّه قالها آخر ندائه، والأمران جائزان، نصَّ عليهما الشَّافعيُّ في «الأمِّ»، لكن بعده أحسن لئلَّا ينخرم نظام الأذان، ولعبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ عن نُعيم بن النَّحَّام قال: أذَّن مؤذِّن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للصُّبح في ليلةٍ باردةٍ، فتمنَّيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فلمَّا قال: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم قالها، ففيه: الجمع بين الحيعلتين، وقوله: الصَّلاة في الرِّحال (فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) كأنَّهم أنكروا تغيُّر [5] الأذان وتبديل الحيعلتين بذلك (فَقَالَ) ابن عبَّاسٍ: (فَعَلَ هَذَا) الَّذي أمرته به (مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) أي: الَّذي هو خيرٌ من ابن عبَّاسٍ وهو النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولابن عساكر: ((منِّي)) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((منهم)) أي: من المؤذِّن والقوم (وَإِنَّهَا) أي: الجمعة، فإن قلت: لم يسبق ما يدلُّ على [6] أنَّها الجمعة أُجيب بأنَّه ليس من شروط معاد [7] الضَّمير أن يكون مذكورًا بالصَّريح [8]، على أنَّ قوله: «خطبنا» يدلُّ عليه، مع ما وقع من التَّصريح في رواية ابن عُلَيَّة [خ¦901] ولفظه: أنَّ الجمعة (عَزْمَةٌ) بسكون الزَّاي، أي: واجبةٌ، وإنِّي كرهت أن أحرجكم [9] فتمشون في الطِّين، فإن قلت: ما وجه المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب بأنَّه لمَّا جازت الزِّيادة المذكورة في الأذان للحاجة إليها دلَّ على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه، لكن نازع في ذلك الدَّاوديُّ بأنَّه لا حجَّة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور مشروعٌ من جملة الأذان في ذلك المحلِّ، وقد رخَّص أحمد في [10] الكلام في أثنائه، وهو قولٌ عندنا في الطَّويل، لكن قيَّده في «المجموع» بما لم يفحش بحيث لا يعدُّ أذانًا ولا يضرُّ اليسير جزمًا، ورجَّح المالكيَّة المنع مطلقًا، لكن إن حصل مهمٌّ ألجأه إلى الكلام ففي «الواضحة»: يتكلَّم، وفي «المجموعة» عن ابن القاسم نحوه، وقال الحنفيَّة _فيما نقله العينيُّ_: إنَّه خلاف الأَوْلى.
ورواة هذا الحديث السَّبعة بصريُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وثلاثةٌ من التَّابعين يروي بعضهم عن بعضٍ، وأخرجه أيضًا المؤلِّف [11] في «الصَّلاة» [خ¦668] و«الجمعة» [خ¦901]، ومسلمٌ وأبو داود وابن ماجه في «الصَّلاة».
ج2ص10


[1] «شديد»: ليس في (س).
[2] في (ص): «أي»، وينظر الفتح 2/98.
[3] في هامش (ص): (قوله: «في الثِّماد»: بالمُثلَّثة والدَّال المهملة، قال في «القاموس»: الثَّمْد ويُحرَّك، وككتابٍ: الماء القليل لا مادَّة له، أو ما يبقى في الجلد، أو ما يظهر في الشِّتاء ويذهب في الصَّيف). انتهى.
[4] «أو»: ليس في (د).
[5] في (د): «تغيير».
[6] «على»: ليس في (ص) و(م).
[7] في (د): «مفاد»، وفي (م): «نفاد» ولعلَّه تحريفٌ.
[8] في غير (د): «بالضَّمير» ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[9] في (د): «أخرجكم».
[10] «في»: مثبتٌ من (ص).
[11] «المؤلِّف»: مثبتٌ من (ص) و(م).