إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش

3075- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال:
ج5ص182
(حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) الثَّوريِّ والد سفيان الثَّوريِّ (عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ) بفتح العين والموحَّدة، و«رِفَاعة» بكسر الرَّاء وفتح الفاء (عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ) هو ابن خَديج الأنصاريِّ أنَّه (قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) وليس [1] ميقاتَ أهل المدينة كما مرَّ قريبًا [خ¦3066قبل] (فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، وَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَعَجِلُوا) _بكسر الجيم مخفَّفةً_ بذبح شيءٍ ممَّا أصابوه بغير إذنٍ (فَنَصَبُوا الْقُدُورَ) للطَّبخ (فَأَمَرَ) عليه الصلاة والسلام (بِالْقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ) أي: فقُلِبَت [2] ونُكِّسَت؛ ليعلم أنَّ الغنيمة إنَّما يستحقونها بعد قسمته لها، وذلك أنَّ القصَّة وقعت في دار الإسلام لقوله فيها: «بذي الحليفة»، وليس لأهل الإسلام أن يأخذوا في أرض [3] الإسلام إلَّا ما قُسِمَ لهم، قاله المهلَّب، وقال القرطبيُّ: المأمور بإكفائه إنَّما هو المرق عقوبةً للَّذين تعجَّلوا، وأما نفس اللَّحم فلم يُتلَف، بل يحمل على [4] أنَّه جُمِعَ ورُدَّ إلى المغانم، ولا يظنُّ أنَّه أمر بإتلافه لأنَّه مال الغانمين، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال (ثُمَّ قَسَمَ) عليه الصلاة والسلام ما أصابوه (فَعَدَلَ) بتخفيف الدَّال (عَشَرَةً) بفتح الشِّين آخره فوقيَّةٌ، وفي نسخةٍ: ((عشْرًا)) بإسكان الشِّين (مِنَ الْغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ) بالفاء والنُّون والدَّال المهملة المشدَّدة، أي: نفر (مِنْهَا بَعِيرٌ، وَفِي الْقَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرٌة) بالمثنَّاة الفوقيَّة آخره كذا لأبي ذَرٍّ وابن عساكر والأَصيليِّ، ولغيرهم: ((يسيرٌ)) (فَطَلَبُوهُ) أي: البعير (فَأَعْيَاهُمْ) أي: أعجزهم (فَأَهْوَى) أي: مدَّ (إِلَيْهِ رَجُلٌ) لم يُسَمَّ، وقيل: هو رافعٌ الرَّاوي (بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (هَذِهِ الْبَهَائِمُ لَهَا أَوَابِدُ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ) جمع آبدةٍ؛ وهي الَّتي قد تأبَّدت، أي: توحَّشت ونفرت من [5] الإنس (فَمَا نَدَّ) نفر (عَلَيْكُمْ؛ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) قال عَبَاية: (فَقَالَ جَدِّي) رافع بن خديجٍ: (إِنَّا) بتشديد النُّون (نَرْجُو) أي: نخاف، والرَّجاء يأتي بمعنى الخوف (أَوْ نَخَافُ) شكٌّ من الرَّاوي (أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى) جمع مدية وهي السِّكِّين (أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟) قال الكرمانيُّ: فإن قلت: ما الغرض من ذكر لقاء العدوِّ عند السُّؤال عن الذَّبح بالقصب؟ وأجاب: بأنَّ الغرض أنَّا لو استعملنا السُّيوف في المذابح لكلَّت؛ وعند اللِّقاء نعجز عن المقاتلة بها (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ) بالنُّون السَّاكنة بعد [6] الهمزة المفتوحة، أي: أساله وأجراه (وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ) بضمِّ الذَّال المعجمة وكسر الكاف مبنيًّا للمفعول، وزاد الأربعة: ((عليه)) (فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ) كلمةُ «ليس» بمعنى «إلَّا»، وما بعدها نصبٌ (وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ) أي: وسأبيِّن لكم العلَّة في ذلك (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) إذا ذبح به يتنجَّس بالدَّم، وهو زادُ إخواننا من الجنِّ ولذا نُهِيَ عن الاستنجاء به (وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَة) لأنَّهم يدمون مذابح الشِّياه [7] بأظفارهم حتَّى تزهق النَّفس خنقًا [8] وتعذيبًا، ويحلُّونها محلَّ الذَّكاة، قاله الخطَّابيُّ. وقال النَّوويُّ: لأنَّهم كفَّارٌ، ولا يجوز التَّشبُّه بهم وبشعارهم [9].
وهذا الحديث سبق في «باب قسمة الغنم» من «كتاب الشَّركة» [خ¦2488].
ج5ص183


[1] «وليس»: ليس في (م).
[2] في (د) و(د1) و(ص): «فأُقلبت».
[3] في (د): «دار».
[4] «على»: ليس في (م).
[5] في (د): «عن».
[6] في (م): «و».
[7] في (م): «الشَّاة».
[8] في (ب): «حنقًا»، وفي (م): «حتفًا».
[9] في (د): «وبعشائرهم».