إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان النبي إذا قفل من الحج أو العمرة ولا أعلمه إلا قال

2995- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) هو ابن يوسف، كما قاله ابن السَّكن، وتردَّد أبو مسعودٍ الدِّمشقيُّ بين أن يكون هو ابن صالحٍ كاتب اللَّيث، وبين أن يكون هو [1] ابن رجاءٍ الغدانيُّ، والمعتمد الأوَّل كما قاله الجيَّانيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام (عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ) بفتح الكاف (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر (عَنْ) أبيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَفَلَ) بقافٍ ثمَّ فاءٍ، أي: رجع (مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: الْغَزْو) بالنَّصب على المفعوليَّة، والجرِّ عطفًا على المجرور السَّابق، وهذه الجملة كالإضراب عن الحجِّ والعمرة، كأنَّه قال: إذا قفل من الغزو، ثمَّ إنَّ ظاهره اختصاص قول ذلك بالمذكورات، والجمهور على [2] مشروعيَّته لكلِّ سفر طاعةٍ (يَقُولُ) عليه الصلاة والسلام: (كُلَّمَا أَوْفَى) بفتح الهمزة والفاء وسكون الواو، أشرف وعلا (عَلَى ثَنِيَّةٍ) بفتح المثلَّثة وكسر النُّون وتشديد التَّحتيَّة، أعلى الجبل أو الطَّريق في الجبال (أَوْ) أوفى على (فَدْفَدٍ) بفاءَين مفتوحتَين، بينهما دالٌ [3] ساكنةٌ وبعد الأخيرة أخرى مهملتَين: الفلاة من الأرض لا شيء فيها، أو الغليظة، أو ذات الحصى المستوية أو المرتفعة (كَبَّرَ) الله (ثَلَاثًا) هو جواب الشَّرط وموضع التَّرجمة كما لا يخفى (ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال القرطبيُّ: وفي تعقيب التَّكبير بالتَّهليل إشارةٌ إلى أنَّه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنَّه المعبود في جميع الأماكن. وقال في «الفتح»: يحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يأتي بهذا الذِّكر عقب التَّكبير وهو على المكان المرتفع، ويحتمل أنَّ التَّكبير يختصُّ [4] بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متَّسعًا أكمل الذِّكر المذكور فيه، وإلَّا فإذا هبط سبَّح كما دلَّ عليه حديث جابرٍ، ويحتمل أن يكمل الذِّكر مطلقًا عقب التَّكبير، ثمَّ يأتي بالتَّسبيح إذا هبط (آيِبُونَ) بمدِّ الهمزة، أي: نحن راجعون إلى الله تعالى، نحن (تَائِبُونَ) إليه [5] تعالى، فيه إشارةٌ إلى التَّقصير في العبادة، وقاله عليه الصلاة والسلام على سبيل التَّواضع أو تعليمًا لأمَّته، نحن (عَابِدُونَ) نحن (سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا) نحن (حَامِدُونَ) والجارُّ والمجرور إمَّا متعلِّقٌ [6] بـ «ساجدون»، أو بـ «حامدون» [7]، أو بهما، أو بالصِّفات الأربعة المتقدِّمة، أو بالخمسة على سبيل [8] التَّنازع (صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ [9] ) فيما وعد به من إظهار دينه (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ) الَّذين تحزَّبوا في غزوة الخندق لحربه صلَّى الله عليه وسلَّم، فاللَّام للعهد، أو المراد: كلُّ من تحزَّب من الكفَّار لحربه عليه الصلاة والسلام، فتكون جنسيَّةً، أو المراد: اللَّهم اهزم الأحزاب، فيكون بمعنى الدُّعاء، والأوَّل هو الظَّاهر، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا خرج للغزو واعتدَّ له بالعَدَد والعُدَد، فيجمع أصحابه ويتَّخذ الخيل والسِّلاح، فإذا رجع تعرَّى عن ذلك، وردَّ الأمر فيه إليه فقال: وهزم الأحزاب (وَحْدَهُ) فيُنفى السَّبب فناءً في المسبِّب، وهذا هو المعنى الحقيقيُّ؛ لأنَّ الإنسان وفعله خلقٌ لربِّه تعالى، قال الله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفال: 17] فما حصل من الهزيمة والنصرة مضاف إليه وبه، وهو خير النَّاصرين.
(قَالَ صَالِحٌ) هو ابن كيسان: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لسالم بن عبد الله: (أَلَمْ يَقُلْ عَبْدُ اللهِ) بن عمر بعد قوله: «آيبون»: (إِنْ شَاءَ الله؟) كما في رواية نافعٍ ممَّا ثبت في «باب ما يقول إذا رجع من الغزو» [خ¦3084] (قَالَ) سالمٌ: (لَا) أي: لم يقل ذلك.
ج5ص136


[1] «هو»: ليس في (ب) و(س).
[2] «على»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[3] في (م) «دال مهملة»وستأتي بكلمة مهملتين.
[4] في (م): «مختصٌّ».
[5] في (د): «إلى الله».
[6] في (م) «يتعلَّق».
[7] في (م): «حامدون».
[8] في (د1) و(ص) و(م) و(ل): «طريق».
[9] في (م): «وحده».