إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث علي: بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار

3094- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ) بفتح الفاء وسكون الرَّاء وكسر الواو القرشيُّ المدنيُّ الأمويُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالسِّين المُهمَلة، و«الحَدَثَان» بالحاء والدَّال المُهمَلتين والمُثلَّثة المفتوحات وبعد الألف نونٌ، ابن عوف بن ربيعة النَّصري _بالنُّون_ من بني نصر بن معاوية، اختُلِف في صحبته، قال الزُّهريُّ: (وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بضمِّ الجيم وفتح المُوحَّدة ابن مطعمٍ (ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثِهِ ذَلِكَ) أي: الآتي ذكرُه (فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُل) بالنَّصب، أي: إلى أن أدخل، والرَّفع على أن تكون عاطفةً، ورجَّح ابن مالكٍ النَّصب (عَلَى مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَقَالَ مَالِكٌ: بَيْنَا) بغير ميمٍ، ولأبي ذرٍّ: ((بينما)) (أَنَا جَالِسٌ فِي أَهْلِي حِينَ مَتَعَ النَّهَارُ) بميمٍ ففوقيَّةٍ [1] فعينٍ مُهمَلةٍ مفتوحاتٍ: اشتدَّ حرُّه وارتفع وطال، وجوابُ «بينما» قولُه: (إِذَا [2] رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) يحتمل أن يكون الرَّسول يرفا الحاجب (يَأْتِينِي، فَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَدْخُل) بالنَّصب والرَّفع (عَلَى عُمَرَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى رِمَالِ سَرِيرٍ) بكسر راء «رمال» وقد تُضَمُّ: ما يُنسَج من سعف النَّخل ونحوه (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ: يَا مَال) بكسر اللَّام على اللُّغة المشهورة، أي: يا مالكُ، على التَّرخيم، ويجوز الضَّمُّ على أنَّه صار اسمًا مستقلًّا، فيُعرَب إعراب المُنادَى المُفرَد (إِنَّهُ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ) من بني نصر بن معاوية بن [3] بكر بن هوازن، وكان قد أصابهم جدبٌ في بلادهم، فانتجعوا المدينة (وَقَدْ أَمَرْتُ لَهُمْ) والَّذي في الفرع وأصله: ((فيهم)) (بِرَضْخٍ) بفتح الرَّاء وسكون الضَّاد آخره خاءٌ معجمتين [4]، أي: بعطيَّةٍ قليلةٍ غير مُقدَّرةٍ (فَاقْبِضْهُ) بكسر الموحَّدة (فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي) أي: بأن يدفع الرَّضْخ لهم غيري، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((له)) باللَّام بدل «به» بالموحَّدة، ولعلَّه قال ذلك تحرُّجًا [5] من قَبول الأمانة (قَالَ) عمر: (اقْبِضْهُ) ولأبي ذر: ((فاقبضه)) (أَيُّهَا الْمَرْءُ)
ج5ص193
لم يبيِّن هل قبضه أم لا؟ والظَّاهر أنَّه قبضه لعزم عمر عليه (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ، ولأبي ذرٍّ: ((فبينما)) (أَنَا جَالِسٌ عِنْدَهُ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ مفتوحةٍ فراءٍ ساكنةٍ ثمَّ فاءٍ فألفٍ، وقد تُهمَز [6]، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي روايتنا من طريق أبي ذرٍّ، وكان يرفأ من موالي عمر أدرك الجاهليَّة، ولا تُعرَف له صحبةٌ (فَقَالَ: هَلْ لَكَ) رغبةٌ (فِي عُثْمَانَ) بن عفَّان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ) بن العوَّام (وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) زاد النَّسائيُّ وعمر بن شبَّة من طريق عمرو بن دينارٍ عن ابن شهابٍ على الأربعة: «طلحة بن عبيد الله» حال كونهم (يَسْتَأْذِنُونَ) في الدُّخول عليك؟ (قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَا يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ؟) زاد شُعَيب في روايته في «المغازي» [خ¦4033]: «يستأذنان»؟ (قَالَ) عمر رضي الله عنه: (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا) بفتح الهمزة وكسر الذَّال المُعجَمة (فَدَخَلَا فَسَلَّمَا فَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسٌ) أي: لعمر: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا) أي: عليٍّ (وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ) أي: يتنازعان ويتجادلان (فِيمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ممَّا لم يُوجِف عليه بخيلٍ ولا ركابٍ (مِنْ [7] بَنِي النَّضِيرِ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((من مال بني النَّضير)) (فَقَالَ الرَّهْطُ _عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ_: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: ((فقال)) (عُمَرُ: تَيْدَكُمْ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة ونصب الدَّال على وزن: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} [طه: 64] وليس في الفرع غيرها، ونسبها عياضٌ للقابسيِّ وعُبدوسٍ، وقد حكى سيبويه عن بعض العرب: بَيِس فلانٌ، بفتح المُوحَّدة، قال عياضٌ: فالياء _يعني: التَّحتيِّة_ مُسهَّلةٌ من همزةٍ، والتَّاء_ يعني: الفوقيَّة_ مُبدَلةٌ من واوٍ؛ لأنَّه في الأصل وأدةٌ. انتهى. فالنَّصب على المصدر، والتَّقدير: تيدوا تيدكم، ولأبي ذرٍّ: ((تَئِدكم)) بفتح المُثنَّاة وهمزةٍ مكسورةٍ، قال في «الفتح»: وفتح الدَّال، وضبطها غيره بالقلم بإسكانها، وآخر بالقلم أيضًا برفعها، وللأصيليِّ: ((تِئَدُكم)) بكسر أوَّله وضمِّ الدَّال مع الهمزة المفتوحة، وضبطها بعضهم بالقلم: بسكون الدَّال، وعند بعضهم: ((تِيدكم)) بكسر الفوقيَّة، كأنَّه مصدر «تاد» «يتيد» فتُرِك همزه، قال في «القاموس»: التَّيْدُ: الرِّفقُ، يُقال: تَيْدَكَ يا هذا، أي: اتَّئِدْ، وتَيْدَكَ زيدًا، أي: أَمْهِلْه؛ إمَّا مصدرٌ والكاف مجرورةٌ، أو اسم فعلٍ والكاف للخطاب، وقال ابن مالكٍ: لا يكون إلَّا اسم فعلٍ، ويُقال: تَيْدَ زيدٍ. انتهى. والمعنى هنا: اصبروا وأمهلوا وعلى رسلكم (أَنْشُدُكُمْ) بفتح الهمزة وضمِّ الشِّين، أي: أسألكم (بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) فوق رؤوسكم بغير عَمَدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء تحت أقدامكم (هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا نُورَثُ) معاشرَ الأنبياء (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو «ما» الموصولة، و«تركنا» صلته، والعائد محذوفٌ، أي: الَّذي تركناه صدقةٌ (يُرِيدُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ؟) وكذا غيره من الأنبياء، بدليل قوله في الرِّواية الأخرى: «إنَّا معاشر الأنبياء» فليس خاصًّا به عليه الصلاة والسلام، وأمَّا قول زكريَّا: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 6] وقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} [النَّمل: 16] فالمراد: ميراث العلم والنُّبوَّة والحكمة.
(قَالَ الرَّهْطُ) عثمان وأصحابه: (قَدْ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) رضي الله عنهم (فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا اللهَ) بإسقاط حرف الجرِّ، وسقط لفظ الجلالة لأبي ذرٍّ (أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟) أي [8]: «لا نُورَث، ما تركناه [9] صدقةٌ» (قَالَا: قَدْ قَالَ ذَلِكَ) وسقطت هذه الجملة من قوله «قالا» لأبي ذرٍّ (قَالَ عُمَرُ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ: إِنَّ اللهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ [10] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {قَدِيرٌ} [الحشر: 6] فَكَانَتْ هَذِهِ) أي: بني النَّضير وخيبر وفَدَك (خَالِصَةً [11] لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لا حقَّ لأحدٍ فيها غيره، فكان ينفق منها نفقته ونفقة أهله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، هذا مذهب الجمهور، وقال الشَّافعيُّ: يُقسَم الفيء خمسة أقسام كما مرَّ مُفصَّلًا [خ¦3093] وتأوَّل قولَ عمر هذا بأنَّه يريد الأخماس الأربعة (وَاللهِ) ولأبي ذرٍّ: ((ووالله)) (مَا احْتَازَهَا)
ج5ص194
بحاءٍ مُهمَلةٍ ساكنةٍ وزايٍ مفتوحةٍ من الحيازة، وهي الجمع، يُقال: حاز الشَّيء واحتازه: جمعه وضمَّه إليه [12] (دُونَكُمْ) وللكشميهنيِّ: ((ما اختارها)) بالخاء المعجمة والرَّاء (وَلَا اسْتَأْثَرَ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة وبعد الهمزة السَّاكنة مُثلَّثةٌ، أي: ما تفرَّد (بِهَا عَلَيْكُمْ قَدْ أَعْطَاكُمُوهُ) أي: الفيء، وللكشميهنيِّ: ((أعطاكموها)) أي: أموال الفيء (وَبَثَّهَا) بالمُوحَّدة المفتوحة والمُثلَّثة المُشدَّدة المفتوحة، أي: فرَّقها (فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ) بفتح الميم والعين المُهمَلة بينهما جيمٌ ساكنةٌ (مَالِ اللهِ) في السِّلاح والكراع ومصالح المسلمين، وهذا لا يعارضه حديث عائشة [خ¦2916]: «أنَّه صلى الله عليه وسلم تُوفِّي ودرعه مرهونةٌ على شعيرٍ» لأنَّه يُجمَع بينهما بأنَّه كان يدِّخر لأهله قوت سنتهم، ثمَّ في طول السَّنة يحتاج لمن يَطرُقُه إلى إخراج شيءٍ منه فيُخرِجه، فيحتاج إلى تعويض ما أخذ منها، فلذلك استدان (فَعَمِلَ) بكسر الميم (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ) بحرف الجرِّ (هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ) ولأبي ذرٍّ: ((أنشدكما اللهَ)) بإسقاط الجارِّ (هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ؟) زاد في رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ في «الفرائض» [خ¦6728]: «قالا: نعم» (قَالَ عُمَرُ: ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَبَضَهَا أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ) بتشديد الرَّاء (رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ) زاد في [13] «مسلمٍ» بعد قوله: «قال أبو بكرٍ: أنا وليُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم»: فجئتما تطلبُ ميراثَك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكرٍ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا نُوْرَثُ، مَا تَرَكْنَاه [14] صَدَقَةٌ» (ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي) بكسر الهمزة (أَعْمَلُ) بفتح الميم (فِيهَا بِمَا عَمِلَ) بكسرها (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا [15] عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي فِيهَا لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي تُكَلِّمَانِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، جِئْتَنِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلُنِي نَصِيبَكَ) أي: ميراثك (مِنِ ابْنِ أَخِيكَ) صلى الله عليه وسلم (وَجَاءَنِي هَذَا _يُرِيدُ عَلِيًّا_ يُرِيدُ نَصِيبَ امْرَأَتِهِ) أي: ميراثها (مِنْ أَبِيهَا) عليه الصلاة والسلام (فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاه [16] صَدَقَةٌ، فَلَمَّا بَدَا) أي: ظهر (لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ؛ لَتَعْمَلَانِ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِيهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا عَمِلَ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبِمَا عَمِلْتُ فِيهَا مُنْذُ وَلِيتُهَا) بفتح الواو وتخفيف اللَّام، أي: لتتصرَّفا فيها وتنتفعا منها بقدر حقِّكما كما تصرَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعمر، لا على جهة التَّمليك، إذ هي صدقةٌ محرَّمة التَّمليك بعده صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا إِلَيْنَا، فَبِذَلِكَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، فَأَنْشُدُكُمْ بِاللهِ) بحرف الجرِّ: (هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِمَا [17] بِذَلِكَ؟ قَالَ الرَّهْطُ) عثمان وأصحابه: (نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ) عمر (عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ: هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا بِذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلْتَمِسَانِ) أي: أفتطلبان (مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟!فَوَاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ) بغير عَمَدٍ (وَالأَرْضُ) على الماء (لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ) وعند أبي داود: «والله لا أقضي بغير ذلك حتَّى تقوم السَّاعة [18]» (فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا فَادْفَعَاهَا إِلَيَّ، فَإِنِّي أَكْفِيكُمَاهَا [19] ) وقد استشكل الخطَّابيُّ هذه القصَّة [20]: بأنَّ عليًّا وعبَّاسًا إذا كانا قد أخذا هذه من عمر على شريطة أن يتصرَّفا فيها كما تصرَّف فيها رسول الله [21] صلى الله عليه وسلم والخليفتان بعده، وعلما أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «لا نُوَرث، ما تركنا صدقةٌ» فإن كانا سمعاه من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبانه من أبي بكرٍ؟ وإن كانا سمعاه من أبي بكرٍ أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك فكيف يطلبانه بعد [22] ذلك من عمر؟ وأجيب: بأنَّهما اعتقدا أنَّ عمومَ قوله: «لا نورث» مخصوصٌ ببعض [23] ما يخلفه دون بعضٍ، وأمَّا مُخاصَمة عليٍّ وعبَّاسٍ بعد ذلك فلم تكن في الميراث، بل في ولاية الصَّدقة وصرفها كيف
ج5ص195
تُصرَف، وعُوِرض بقوله في آخر الحديث في رواية النَّسائيِّ: «ثمَّ جئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي. ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي. والله لا أقضي بينكما إلَّا بذلك» أي: إلَّا [24] بما تقدَّم من تسليمها على سبيل الولاية.
ج5ص196


[1] في (م): «مفتوحةٍ» وهو تحريفٌ.
[2] في (د): «إذ» وهو تحريفٌ.
[3] زيد في غير (د) و(م): «أبي» والمثبت موافقٌ لِمَا في كتب التَّراجم.
[4] في (م): «مُعجَمةٍ».
[5] في (م): «متحرِّجًا».
[6] في (د1) و(ص): «تُهمَل» وهو تحريفٌ.
[7] زيد في (م): «مال» وهي رواية أبي ذرٍّ.
[8] «أي»: ليس في (د).
[9] في غير (د) و(م): «تركنا».
[10] في (ب): «رسول الله».
[11] في (ب): «خاصة».
[12] «إليه»: مثبت من (د).
[13] «في»: ليس في (د)، وزيد فيها: «رواية».
[14] في غير (د) و(م): «تركنا» والمثبت موافق لما في «صحيح مسلمٍ».
[15] في (د): «وبما»، و(م): «وممَّا» والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[16] في غير (د) و(س): «تركنا»، وكذا في «اليونينيَّة».
[17] في (د): «إليهما، إليكما» معًا، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[18] في (د): «السَّماء» وهو تحريفٌ.
[19] في (م): «أكفيكهماها» وهو تحريفٌ.
[20] في (د): «القضيَّة».
[21] «رسول الله»: ليس في (د).
[22] «بعد»: ليس في (د).
[23] في (س): «يبعض» وهو تصحيفٌ.
[24] «إلَّا»: ليس في (د).