إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بعث النبي أقوامًا من بني سليم إلى بني عامر في سبعين

2801- وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وبالضَّاد المعجمة، نسبةً إلى حوض داود محلَّةٌ ببغداد، وسقط «الحوضيُّ» لأبي ذرٍّ قال: (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، ابن يحيى البصريُّ (عَنْ إِسْحَاقَ) بن عبد الله بن أبي طلحة (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ [1] ) وهم المشهورون بالقرَّاء؛ لأنَّهم كانوا أكثر قراءةً من غيرهم، و«سُلَيْم» بضمِّ السِّين المهملة وفتح اللَّام وسكون التَّحتيَّة، وقد وهم الدِّمياطيُّ هذه الرِّواية: بأنَّ بني سُلَيْم مبعوثٌ إليهم، والمبعوث هم القرَّاء، وهم من الأنصار، وقال ابن حجرٍ: التَّحقيق أنَّ المبعوث إليهم بنو عامر، وأمَا بنو سُلَيْم فغدروا بالقُرَّاء المذكورين، والوهم في هذا السِّياق من حفص بن عمر شيخ البخاريِّ، فقد أخرجه هو في «المغازي» [خ¦4091] عن موسى بن إسماعيل عن همَّام، فقال: بعث أخًا لأمِّ سُلَيْمٍ في سبعين راكبًا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطُّفَيل الحديث. فلعلَّ الأصل: بعث أقوامًا معهم أخو أمِّ سُلَيْمٍ إلى بني عامرٍ فصارت من بني سُلَيم (فَلَمَّا قَدِمُوا) بئر معونة (قَالَ لَهُمْ خَالِي) حَرَام بن مِلْحان: (أَتَقَدَّمُكُمْ) أي: إلى بني سُلَيم أو عامرٍ [2] (فَإِنْ أَمَّنُونِي) بتشديد الميم (حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ) بضمِّ الهمزة وفتح الموحَّدة وتشديد اللَّام المكسورة (عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه يدعوهم إلى الإيمان (وَإِلَّا) أي: وإن [3] لم يؤمِّنوني (كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ) إليهم (فَأَمَّنُوهُ فَبَيْنَمَا) بالميم هو (يُحَدِّثُهُمْ) أي: يحدِّث بني سُلَيم (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَوْمَؤوا) جواب «بينما» أي: أشاروا، وفي روايةٍ: ((أُومِىءَ)) بضمِّ الهمزة وكسر الميم، أي: أُشير (إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ) هو عامر بن الطُّفيل (فَطَعَنَهُ) برُمْحٍ [4] (فَأَنْفَذَهُ) بالفاء والذَّال المعجمة، في جنبه حتَّى خرج من الشِّقِّ الآخر (فَقَالَ) أي: حرام المطعون: (اللهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ) بالشَّهادة (وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ) أي: أصحاب حرام (فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا رَجُلًا أَعْرَجَ) بالنَّصب، وهذا الرَّجل هو [5] كعب بن يزيد الأنصاري، وهو من بني أميَّة كما عند الإسماعيليِّ، ولأبي ذرٍّ: ((رجلٌ أعرجُ)) بالرَّفع، وقال الكرمانيُّ: وفي بعضها يُكتَب بدون ألفٍ على اللُّغة الرَّبيعيَّة (صَعِدَ الْجَبَلَ، قَالَ هَمَّامٌ) الرَّاوي: (فَأُرَاهُ) بضمِّ الهمزة بعد الفاء، ولأبي ذرٍّ: ((وأراه)) بالواو، أي [6]: أظنُّه [7] (آخَرَ مَعَهُ) هو عمرو بن أميَّة الضَّمريُّ (فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ
ج5ص42
وَأَرْضَاهُمْ فَكُنَّا نَقْرَأُ) أي في جملة القرآن (أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ) لفظه (بَعْدُ) من التِّلاوة، وههنا تنبيهٌ وهو: هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسَّها المحدِث ويقرأها الجُنُب؟ قال الآمديُّ: تردَّد فيه الأصوليُّون، والأشبه المنعُ من ذلك، وكلام السُّهيليِّ يقتضي خلاف ذلك، فإنَّه قال: إنَّ هذا المذكور ليس عليه رونق [8] الإعجاز، ويقال: إنَّه لم ينزل بهذا النَّظم، ولكن بنظمٍ معجزٍ كنظم القرآن، فإن قيل: إنَّه خبرٌ فلا ينسخ. قلنا: لم يُنسَخ منه الخبر، وإنَّما نُسِخَ منه الحكم، فإنَّ حكم القرآن يُتلَى في الصَّلاة، وألَّا يمسَّه إلَّا طاهرٌ، وأن يُكتَب بين الدُّفتين، وأن يكون تعلُّمه فرضٌ كفايةٍ، وكلُّ ما نُسِخَ رُفِعَت منه هذه الأحكام، وإن بقي محفوظًا فهو منسوخٌ، فإن تضمَّن حكمًا جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولًا به. انتهى. وزاد ابن جريرٍ من طريق عُمَر بن يونس [9]، عن إسحاق بن أبي طلحة عن أنسٍ: وأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] (فَدَعَا عَلَيْهِمْ) صلَّى الله عليه وسلَّم (أَرْبَعِينَ صَبَاحًا) في القنوت (عَلَى رِعْلٍ) بكسر الرَّاء وسكون العين المهملة، آخره لامٌ مجرورٌ، بدلٌ من «عليهم» بإعادة العامل، و«رعلٍ» هم بطنٌ من بني سُلَيم (وَذَكْوَانَ) بفتح المعجمة وسكون الكاف (وَبَنِي لِحْيَانَ) بكسر اللَّام وسكون الحاء المهملة (وَبَنِي عُصَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح الصَّاد المهملتين وتشديد الياء [10] التَّحتيَّة (الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسيأتي في أواخر «الجهاد» [خ¦3170] إن شاء الله تعالى: أنَّه دعا على أحياء من بني سُلَيم، حيث قتلوا القرَّاء. قال في «الفتح»: وهو أصرح في المقصود.
ج5ص43


[1] زيد في (د): «رجلًا».
[2] «أو عامر»: ليس في (ب) و(س)، وفي (ل): «سليم» فوقه «عامر» وفي هامشها: (كذا بخطِّه «سُلَيم» وفوقه «عامر»).
[3] في (ص): «وإلَّا بأن».
[4] «برمحٍ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[5] «هو»: ليس في (د).
[6] «بالواو؛ أي»: ليس في (د).
[7] زيد في (د): «رجل».
[8] زيد في غير (د) و(س): «البيان و».
[9] في الأصول كلها زيادة: «عن عكرمة» وهو سبق قلم، والتصحيح من مصادر التخريج والفتح والطبري.
[10] «الياء»: ليس في (د).