إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب فضل قول الله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله}

(19) (بابُ فَضْلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى) أي: فضل من ورد فيه قول الله تعالى، ولأبي ذرٍّ: ((عَزَّ وَجَلَّ)): ({وَلَا تَحْسِبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ}) أي: بل هم أحياء ({عِنْدَ رَبِّهِمْ}) ذوو زلفى منه ({يُرْزَقُونَ}) من الجنَّة ({فَرِحِينَ}) حالٌ من الضَّمير في {يُرْزَقُونَ} ({بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ}) وهو شرفُ الشَّهادة والفوز بالحياة الأبديَّة، والقرب من الله تعالى والتَّمتُّع بنعيم الجنَّة ({وَيَسْتَبْشِرُونَ}) عطف على {فَرِحِينَ} أي: يُسَرُّون بالبشارة ({بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ}) أي: بإخوانهم المؤمنين الَّذين فارقوهم أحياء فيلحقوا بهم ({مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}) فيمن خلَّفوه [1] من ذرِّيَّتهم ({وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}) على ما خلَّفوا من أموالهم ({يَسْتَبْشِرُونَ}) قال القاضي: كرَّره للتَّوكيد، أو ليعلِّق [2] به ما هو بيانٌ لقوله: {ألَّا خَوْفٌ عَلَيْهِم [3]} ويجوز أن يكون الأوَّل بحال [4] إخوانهم، وهذا بحال أنفسهم ({بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ}) ثوابٍ لأعمالهم ({وَفَضْلٍ}) زيادةٍ عليه، كقوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] وتنكيرهما للتَّعظيم ({وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 168-171] ) من جملة المستبشر به، عطف على {فَضْلٍ}. وفي [5] حديث ابن عبَّاس عند الإمام أحمد مرفوعًا: «الشُّهداء على بارق نهرٍ بباب الجنَّة في قبَّةٍ خضراءَ، يخرج عليهم
ج5ص50
رزقهم بكرةً وعشيًّا» وقال سعيد بن جُبَير: لمَّا دخلوا الجنَّة ورأوا ما فيها من الكرامة للشُّهداء قالوا: يا ليت إخواننا الَّذين في الدُّنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال؛ باشروها [6] بأنفسهم حتَّى يستشهدوا، فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأُخبر رسول الله [7] صلَّى الله عليه وسلَّم بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرَهُم أنِّي قد أَنْزَلْتُ على نبيِّكم، وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا، فذلك قوله تعالى: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ}... الآية، وسياق الآيتين الكريمتين ثابتٌ في رواية الأَصيليِّ وكريمة، وقال في رواية أبي ذرٍّ: (({يُرْزَقُونَ} إلى: {وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ})).
ج5ص51


[1] في (ب) و(س): «خلَّفوهم».
[2] في (ب): «ليتعلَّق» وفي (م): «لتعلُّق».
[3] «{عَلَيْهِمْ}»: ليس في (ب) و(د)، وضُبِّب عليه في (م).
[4] في (د1) و(ص): «مجال» وكذا في الموضع اللاحق.
[5] في (د): «ومن».
[6] في (ب) و(س): «باشروه».
[7] في (ب) و(س): «فأخبرالله رسوله».