إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي

3071- وبه قال: (حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى) بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة وبالنُّون، أبو محمَّدٍ السَّلميُّ المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص (عَنْ أُمِّ خَالِدٍ) اسمها: أَمة، بفتح الهمزة (بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) الأمويَّة، أنَّها (قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي) هو خالدٌ (وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سنَهْ سنَهْ) بفتح السِّين المهملة وكسرها القابسيُّ [1] وسكون الهاء فيهما، ولأبي ذَرٍّ: ((سناه سناه)) بأَلِفٍ بعد النُّون فيهما، وحكى ابن قُرْقول تشديد النُّون لغير أبي ذرٍّ.
(قَالَ عَبْدُ اللهِ) أي: ابن المبارك، وقال الكرمانيُّ: وفي بعضها _أي: النُّسخ_: ((قال [2] أبو عبد الله)) أي: البخاريُّ، وسقط في بعضها «قال [3] عبد الله» (وَهِيَ) أي: «سَنَه» (بِـ)ـاللُّغة (الْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ) وهي [4] الرِّطانة بغير العربيِّ (قَالَتْ) أمُّ خالدٍ: (فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ) الَّذي بين كتفيه صلَّى الله عليه وسلَّم (فَزَبَرَنِي) بفتح الفاء والزَّاي و [5]الموحَّدة والرَّاء، أي: نهرني (أَبِي قَالَ [6] رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهَا) أي: اتركها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْلِي وَأَخْلِقِي) بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ وكسر اللَّام وبالقاف في الثَّاني، مِن: أبليت الثَّوب إذا جعلته عتيقًا، «وأخلقي» أيضًا من باب الإفعال وهو بمعناه أيضًا، وجاز أن يكونا [7] من الثُّلاثي، وليس قوله: «أَخْلِقي» بعد «أَبْلي» عطف الشَّيء على نفسه لأنَّ في المعطوف تأكيدًا وتقويةً ليس في المعطوف عليه، كقوله تعالى [8]: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النَّبأ: 4-5] أو معنى «أخلقي»: خَرِّقي [9] ثيابك وارقعيها، ولأبي ذَرٍّ والمروزيِّ: ((وأخلفي)) بالفاء. قال ابن الأثير: بمعنى: العوض والبدل، أي: اكتسى خَلَفه بعد بلائه، يقال: خَلَف الله وأَخلف _بالهمز_ أي: جعلك الله ممَّن يخلفه عليك بعد ذهابه وتمزُّقه (ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي) ثلاثًا، والَّذي في «اليونينيَّة»: ((أخلفي)) بالفاء في الثَّلاثة لا بالقاف. (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن المبارك: (فَبَقِيَتْ) أي: أمُّ خالدٍ (حَتَّى دَكنَ) أي: الثَّوب؛ بدالٍ مهملةٍ مفتوحةٍ وكافٍ مفتوحةٍ _وتُكسَر_ ونونٍ للكُشْمِيهَنيِّ ورجحه أبو ذرٍّ أي: اسودَّ لونه من كثرة ما لُبِسَ من الدُّكنة، وهي غَبرة كَدِرة، وللمُستملي والحَمُّويي: ((حتَّى ذَكَرَ)) بالذَّال المعجمة المفتوحة والرَّاء بدل المهملة والنُّون مبنيًّا للفاعل، وعند ابن السَّكن: ((ذكر دهرًا)) وهو تفسيرٌ لرواية من روى: «ذكر» وكأنَّه أراد بقي هذا القميص
ج5ص180
مدَّةً من الزَّمان طويلةً نسيها الرَّاوي [10]، فعبَّر عنها بقوله: ذكر دهرًا، أي: زمانًا طويلًا نَسيتُ تحديده، ففي «ذَكر» على هذا ضميرٌ يرجع إلى الرَّاوي، أي: ذكر الرَّاوي دهرًا نسي الَّذي روى عنه تحديده، وقيل: في «ذكر» ضمير القميص، أي: بقي هذا القميص حتَّى ذكر دهرًا مجازًا، وقال الكرمانيُّ: وفي بعضها: ((ذكرتْ)) بلفظ المعروف، أي: بقيتْ حتَّى ذكرتْ دهرًا طويلًا، وفي بعضها: ((حتى ذُكِرَتْ)) [11] بلفظ المجهول، أي: حتَّى صارت مذكورةً عند النَّاس لخروجها عن العادة. انتهى. وقال في «المصابيح»: والضَّمير في «بقيتْ» عائدٌ على الخميصة، فذكَّر وأنَّث باعتبارين؛ إذ المراد بالقميص: هو الخميصة، وأحسنُ من هذا أن يعود ضمير المؤنَّث على أمِّ خالد، وضمير المذكَّر على القميص.
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5845] و«الأدب» [خ¦5993] وأخرجه أبو داود في «اللِّباس».
ج5ص181


[1] «القابسي»: ليس في (ب).
[2] «قال»: مثبتٌ من (م).
[3] زيد في غير (د) و(م): «أبو».
[4] في (ص): «هو».
[5] «و»: ليس في (ب).
[6] في (د) و(م): «فقال».
[7] في (ص): «يكون».
[8] «تعالى»: ليس في (م).
[9] في (د): «خزِّقي».
[10] في (م): «نسبها للراوي».
[11] «حتَّى ذُكِرَتْ»: ليس في (د).