إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء

2805- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ) بكسر العين (الْخُزَاعِيُّ) بضمِّ الخاء المعجمة وتخفيف الزَّاي وبالعين المهملة، البصريُّ الملقَّب بمَرْدُوْيَهْ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّامي، بالسِّين المهملة (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا. حَدَّثَنَا [1] ) ولأبي ذرٍّ: ((قال: وحدَّثني)) بالإفراد، وفي نسخةٍ: ((ح)) لتحويل السَّند: ((وحدَّثنا)) (عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، و«زُرَارَة»: بضمِّ الزَّاي وتخفيف الرَّاءَين، بينهما ألفٌ، ابن واقدٍ الهلاليِّ قال: (حَدَّثَنَا زِيَادٌ) بكسر الزَّاي وتخفيف التَّحتيَّة، ابن عبد الله العامريُّ البكَّائيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ) بالنُّون والضَّاد المعجمة (عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ) لأنَّ غزوة بدر هي أوَّل غزوةٍ غزاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكانت في السَّنة الثَّانية من الهجرة (لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَنِي) أي: أحضرني (قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ) بنون التَّوكيد [2] الثَّقيلة واللَّام، جواب القسم المقدَّر، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: ((ليراني الله)) بألفٍ بعد الرَّاء وتحتيَّةٍ بعد النُّون المكسورة المخفَّفة (مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ) برفع «يومُ» على أنَّه فاعلٌ بـ «كان» التَّامة، وفي الفرع وأصله: ((يَوْمَ)) بالنَّصب أيضًا على الظَّرفيَّة، أي: يومَ قتال أحد، أو أطلق اليوم، وأراد الواقعة [3]، فهو إضمارٌ أو مجازٌ، قاله الكرمانيُّ (وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ) وفي رواية الإسماعيليِّ: «وانهزم الناس» وهو معنى انكشف (قَالَ) أنس بن النَّضر: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي: أَصْحَابَهُ) المسلمين من الفرار (وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ) من القتال، فاعتذر عن الأولياء، وتبرَّأ من [4] الأعداء مع أنَّه لم يرضَ الأمرَين جميعًا (ثُمَّ تَقَدَّمَ) نحو المشركين (فَاسْتَقْبَلَهُ) أي: استقبل أنس بن النَّضر (سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) بضمِّ الميم، آخره ذالٌ معجمةٌ، وزاد في «مسند الطَّيالسيِّ» من طريقٍ ثابتٍ عن أنسٍ: «منهزمًا» (فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ) أريد (الْجَنَّةَ، وَرَبِّ النَّضْرِ) أي: والده (إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا) أي: ريح الجنَّة حقيقةً، أو وجد ريحًا طيِّبة ذكَّره طيبها بطيب ريح الجنَّة (مِنْ دُونِ أُحُدٍ) أي: عنده (قَالَ سَعْدٌ) هو ابن معاذٍ: (فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ) من إقدامه ولا صنيعه في المشركين من القتل مع أنِّي شجاعٌ كامل القوَّة، ولا ما وقع له من الصَّبر بحيث وُجِدَ في جسده ما يزيد على الثَّمانين من ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ كما (قَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ: (فَوَجَدْنَا بِهِ) أي: بابن النَّضر (بِضْعًا) بكسر الموحَّدة، وقد تُفتَح (وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ [5] طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ) قال العينيُّ: وكلمة: «أَوْ» في الموضعين للتَّنويع، وفي رواية عبد الله بن بكر عن حميدٍ [6] عند الحارث بن أبي أسامة: قال أنسٌ: فوجدناه بين القتلى (وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ، وَقَدْ [7] مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ) بفتح الميم وتشديد المثلَّثة من المثلة [8]، أي: قطعوا أعضاءه من أنفٍ وأذنٍ وغيرهما (فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ) بإصبعه أو بطرف إصبعه (قَالَ أَنَسٌ) هو ابن مالكٍ: (كُنَّا نُرَى) بضمِّ النُّون (أَوْ نَظُنُّ) شكٌّ من الرَّاوي، وهما بمعنًى واحد (أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
ج5ص45
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} إِلَى آخِرِ الآيَةِ [الأحزاب: 23] ) .
2806- (وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ) أي: أخت [9] أنس بن النَّضر، وهي عمَّة أنس بن مالكٍ (وَهْيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الموحَّدة وتشديد التَّحتيَّة (كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ) زاد في «الصُّلح» [خ¦2703] فطلبوا الأرش، وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم (فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسٌ) هو ابن النَّضر المستشهد يوم أحد: (يَا رَسُولَ اللهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا) قاله توقُّعًا ورجاءً من فضله تعالى أن يُرضِيَ خصمها ليعفو عنها ابتغاء مرضاته (فَرَضُوا بِالأَرْشِ) عوضًا عن القصاص (وَتَرَكُوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ) في قَسَمِهِ، وهو ضدُّ الحنث، وقصَّة الرُّبيِّع هذه سبقت في «باب الصُّلح في الدِّية» من «كتاب الصُّلح» [خ¦2703].
ج5ص46


[1] في (د): «حديثًا»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د1) و(ص) و(م): «التَّأكيد».
[3] في (ص): «الوقت».
[4] في غير (ب) و(د): «عن».
[5] في (ب) و(د1): «و».
[6] في (د): «عن».
[7] «قد»: ليس في (م).
[8] «من المثلة»: سقط من (م).
[9] «أخت»: سقط من (د).