إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: هل للأسير أن يقتل ويخدع الذين أسروه حتى ينجو من الكفرة؟

(151) هذا [1] (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ لِلأَسِيرِ) في أيدي الكفَّار (أَنْ يَقْتُلَ وَيَخْدَعَ) ولأبي ذَرٍّ: ((أو يخدع)) (الَّذِينَ أَسَرُوهُ حَتَّى يَنْجُوَ مِنَ الْكَفَرَةِ؟ فِيهِ الْمِسْوَرُ) أي: في حكم الباب حديث المسور بن مخرمة (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في «صلح الحديبية» [خ¦2731] [خ¦2732] وفيه: وعلى أنَّه لا يأتيك منَّا رجلٌ _ولو [2] كان على دينك_ إلَّا رددتُه إلينا...، إلى أن قال: ثمَّ رجع النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة، فجاءه أبو بصيرٍ رجلٌ من قريشٍ وهو مسلمٌ، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالا: العهد الَّذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرَّجلين، فخرجا به حتَّى بلغا [3] ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ [4] لهم، فقال أبو بصير لأحد الرَّجلين: والله إنِّي لأرى سيفك هذا يا فلان جيِّدًا، فاستلَّه الآخر فقال: أجل والله إنَّه لجيِّدٌ، لقد جرَّبت به ثمَّ جرَّبت، فقال أبو بصيرٍ: أرني أنظرْ إليه فأمكنه منه فضربه حتَّى برد، وفرَّ الآخر حتَّى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرًا» فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: قُتِل والله صاحبي وإنِّي لمقتولٌ، فجاء أبو بصيرٍ فقال: يا نبيَّ الله، قد والله أوفى الله إليك ذمَّتك، قد رددتني إليهم، ثمَّ أنجاني [5] منهم، قال النَّبيُّ [6] صلَّى الله عليه وسلَّم: «ويلُ أمِّه مسعر حربٍ لو كان له أحدٌ» فلمَّا سمع ذلك عرف أنَّه سيردُّه إليهم، فخرج حتَّى أتى سيف البحر، قال: وينفلت [7] منهم أبو جندل بن سُهَيلٍ، فلحق بأبي بصيرٍ، فجعل لا يخرج من قريشٍ رجلٌ [8] قد أسلم إلَّا لحق بأبي بصير، حتَّى اجتمعت منهم عصابةٌ، فوالله ما يسمعون بعِيْرٍ خرجت لقريشٍ إلى الشَّام إلَّا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تناشده بالله والرَّحم لما أرسل، فمن أتاه فهو آمنٌ، فأرسل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم، فلم ينكر صلَّى الله عليه وسلَّم على أبي بصيرٍ قتله العامريَّ، ولا أمر فيه بقودٍ ولا ديةٍ، وإنَّما لم يجزم المؤلِّف رحمه الله بالحكم لأنَّه اختلف في الأسير يعاهد ألَّا يهرب، فقال الشَّافعيُّ والكوفيُّون: لا يلزمه. وقال مالكٌ: يلزمه. وقال ابن القاسم وابن الموَّاز: إِنْ أكرهوه على أن يحلف لم يلزمه لأنَّه مكرهٌ. وقال بعض الفقهاء: لا فرق بين الحلف والعهد، وخروجه عن بلد الكفر واجبٌ، والحجَّة في ذلك فعل أبي بصيرٍ، وتصويب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فعله. انتهى. قال أبو عبد الله الأُبيُّ: ولا حجَّة فيه لأنَّه ليس فيه [9] أنَّ أبا بصيرٍ عاهدهم على ذلك، والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّما عاهدهم على ألَّا يخرج معه بأحدٍ منهم ولا يحبسه عنهم، ولا عاهدهم على ألَّا يخرج منهم مَن أسلم، فيلزم ذلك أبا بصيرٍ.
ج5ص149


[1] «هذا»: ليس في (د).
[2] في (د): «وإن».
[3] في (ص): «بلغ».
[4] في غير (د): «ثمرٍ» وهو تصحيفٌ.
[5] زيد في (د): اسم الجلالة.
[6] «النَّبيُّ»: ليس في (د).
[7] في (د): «تفلَّت» وفي (م): «انفلت».
[8] في (ب) و(د) و(س): «لا يخرج رجلٌ من قريشٍ».
[9] زيد في غير (د): «إلَّا» ولعلَّ حذفها هو الصَّواب.