إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان

2790- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوحاظيُّ الشَّاميُّ قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة حاءٌ مهملةٌ، عبد الملك بن سليمان (عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ) الفهريِّ المدنيِّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالتَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: ((قال النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ) لم يذكر الزَّكاة والحجَّ، ولعلَّه سقط من أحد رواته، وقد ثبت الحجُّ في التِّرمذيِّ في حديث معاذ بن جبلٍ، وقال فيه: ولا أدري أذكر الزَّكاة أم لا؟ وأيضًا فإنَّ الحديث لم يُذكر لبيان الأركان، فكأنَّ الاقتصار على ما ذُكِرَ إن كان محفوظًا لأنَّه هو المتكرر غالبًا، وأمَّا الزَّكاة فلا تجب إلَّا على من له مالٌ بشرطه، والحجُّ لا يجب إلَّا مرَّةً على التَّراخي (كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ) بطريق الفضل والكرم لا بطريق الوجوب (أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا) وفي نسخةٍ: ((في بيته الذي وُلِدَ فيه)) وفيه تأنيسٌ لمن حُرِمَ الجهاد، وأنَّه ليس محرومًا من الأجر، بل له من الإيمان والتزام الفرائض ما يوصله إلى الجنَّة وإن قصَّر عن درجة المجاهدين (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) في «التِّرمذيِّ» أنَّ الَّذي خاطبه بذلك هو معاذ بن جبلٍ، وعند الطَّبرانيِّ: وأبو الدَّرداء (أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ) بذلك؟ (قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) قال الطِّيبيُّ [1] وتبعه الكرمانيُّ: لمَّا سوَّى النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين الجهاد وبين عدمه، وهو المراد بالجلوس في أرضه الَّتي وُلِدَ فيها في دخول المؤمن بالله ورسوله المقيم للصَّلاة الصَّائم لرمضان في الجنَّة [2]؛ استدرك صلَّى الله عليه وسلَّم قوله الأوَّل بقوله الثَّاني: «إنَّ في الجنَّة مئة درجةٍ» إلى آخره، وتُعقِّبَ: بأنَّ التَّسوية ليست على عمومها، وإنَّما هي في أصل دخول الجنَّة لا في تفاوت الدَّرجات؛ كما مرَّ، وقال الطِّيبيُّ في «شرح المشكاة»: هذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي: بشِّرهم بدخول الجنَّة بالإيمان والصَّوم والصَّلاة ولا تكتفِ بذلك، بل زد [3] على تلك البشارة بشارةً أخرى، وهي الفوز بدرجات الشُّهداء فضلًا من الله، ولا تقنعْ بذلك أيضًا، بل بشِّرهم بالفردوس الَّذي هو أعلى، وتعقَّبه في «فتح الباري»، فقال: لو لم يرد الحديث إلَّا كما وقع هنا لكان ما قال متَّجهًا، لكنْ ورد في الحديث زيادةٌ دلَّت على [4] أنَّ قوله: «إنَّ [5] في الجنَّة مئة درجةٍ» تعليلٌ لتلك
ج5ص37
البشارة المذكورة، فعند التِّرمذيِّ من رواية معاذٍ: قلت: يا رسول الله، ألا أخبر النَّاس؟ قال: «ذرِ النَّاس يعملون فإن في الجنَّة مئة درجةٍ» فظهر أنَّ المراد: لا تبشِّر النَّاس بما ذكرته من دخول الجنَّة لمن آمن وعمل الأعمال المفروضة عليه فيقفوا عند ذلك، ولا يتجاوزوه إلى ما هو أفضل منه من الدَّرجات الَّتي تحصل بالجهاد، وهذه هي النُّكتة في قوله: «أعدَّها الله للمجاهدين» وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ قوله: «لكن وردت في الحديث زيادةٌ...» إلى [6] آخره غيرُ مسلَّمٍ، لأنَّ الزِّيادة المذكورة في حديث معاذ بن جبلٍ، وكلامُ الطِّيبيِّ وغيره في حديث أبي هريرة، وكلُّ واحد من الحديثين مستقلٌّ بذاته والرَّاوي مختلف، فكيف يكون ما في حديث معاذٍ تعليلًا لما في حديث أبي هريرة، على [7] أنَّ حديث معاذٍ لا يعادل حديث أبي هريرة ولا يدانيه، فإنَّ عطاء بن يسار لم يدرك معاذًا. انتهى. وهذا الَّذي قاله العينيُّ ليس مانعًا ممَّا ذكره الحافظ ابن حجرٍ، فالحديث يبيِّن بعضه بعضًا، وإن تباينت طرقه، واختلفت مخارجه ورواته على ما لا يخفى (فَإِنْ [8] سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ) أي: أفضلها (وَأَعْلَى الْجَنَّةِ) يعني: أرفعها. وقال ابن حيَّان [9]: المراد بالأوسط: السَّعة، وبالأعلى: الفوقيَّة. قال يحيى بن صالحٍ شيخُ البخاريِّ: (أُرَاهُ) بضمِّ الهمزة، أي: أظنُّه (قال: وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) بفتح القاف، قيل: وقيَّده الأصيليُّ بضمِّها، ولم يصحِّحه ابن قُرْقُول، بل قال: إنَّه وهم عليه. قال في «المصابيح»: ووجهه: أنَّ فوق من الظُّروف الملازمة للظَّرفيَّة، فلا تُستَعمل غير منصوبةٍ أصلًا، والضَّمير المضاف إليه «فوق» ظاهرُ التَّركيب عوده إلى الفردوس، وقال السَّفاقسيُّ: راجعٌ إلى الجنَّة كلِّها. قال في «المصابيح»: والتَّذكير حينئذٍ باعتبار كون الجنَّة مكانًا، وإلَّا فمقتضى الظَّاهر على ذلك أن يقال: وفوقها (وَمِنْهُ) أي: من الفردوس (تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) الأربعة المذكورة في قوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِن مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَّفًى} [محمَّد: 15] وأصل «تفجَّر»: تتفجَّر _فحُذِفَت إحدى التَّاءين تخفيفًا_ وقيل: الفردوس مُستَنزه أهل الجنَّة، وفي التِّرمذيِّ: هو ربوة الجنَّة.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦7423]، والتِّرمذيُّ.
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ) فيما وصله في «التَّوحيد» [خ¦7423] (عَنْ أَبِيهِ) فليحٍ: (وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ) فلم يشكَّ كما شكَّ يحيى بن صالحٍ، حيث قال: «أُراه».
ج5ص38


[1] «الطِّيبيُّ»: سقط من (ص) و(ل).
[2] زاد في شرح المشكاة هنا: «ورأى صلى الله عليه وسلم استبشار الراوي بما سمعه لسقوط مشاق الجهاد عنهم، وعدم امتياره في نيل الجنة» شرح المشكاة للطيبي.
[3] في (م): «يرِد».
[4] «على»: مثبتٌ من (ب) و(د) و(س).
[5] «إنَّ»: مثبتٌ من (ب) و(د) و(س).
[6] «إلى»: ليس في (د1) و(ص).
[7] في (م): «إلَّا».
[8] في (د): «فإذا».
[9] في (د): «ابن حبَّان» وليس بصحيحٍ.