إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الشهداء خمسة المطعون والمبطون

2829- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الأصبحيُّ إمامُ دار الهجرة (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين المهملة وفتح الميم وتشديد التَّحتيَّة، أبي عبد الله مولى أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشيِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان الزَّيَّات (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ) وعند مالكٍ في «الموطَّأ» من حديث جابر بن عتيكٍ: «الشُّهداء سبعةٌ سوى القتل في سبيل الله» وهو موافقٌ لما تُرجِم به، لكنَّه ليس على شرطه فلم يورده، بل نبَّه عليه في التَّرجمة إيذانًا بأنَّ الوارد في عدِّها من الخمسة والسَّبعة، ليس على معنى التَّحديد الَّذي لا يزيد ولا ينقص، أشار إليه ابن المُنَيِّر (الْمَطْعُونُ) الَّذي يموت بالطَّاعون، وهو غدَّة كغدَّة البعير، تخرج في الآباط والمراق (وَالْمَبْطُونُ) المريض بالبطن (وَالْغَرِقُ) بفتح الغين المعجمة وبعد الرَّاء المكسورة قافٌ، الَّذي يموت بالغرق (وَصَاحِبُ الْهَدْمِ) بفتح الهاء وسكون الدَّال، الَّذي يموت تحته (وَالشَّهِيدُ) الذي قُتِل (فِي سَبِيلِ اللهِ) عَزَّ وَجَلَّ، وزاد جابر بن عَتِيْكٍ في حديثه: «الحريق، وصاحب ذات الجَنْب، والمرأة تموت بجمع _بضمِّ الجيم وفتحِها وكسْرِها_ الَّتي تموت حاملًا جامعةً ولدها في بطنها، أو هي البكر، أو هي النُّفساء، وزاد مسلمٌ من طريق أبي صالحٍ عن أبي هريرة: «ومن مات في سبيل الله فهو شهيدٌ». ولأحمد من حديث راشد بن حُبَيش: «والسِّل» بكسر السِّين المهملة وباللَّام، وفي «السُّنن» وصحَّحه التِّرمذيُّ من حديث سعيد بن زيدٍ مرفوعًا: «من قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ» وقال في الدِّين والدَّم والأهل مثل ذلك، وللنَّسائيِّ من حديث سويد بن مقرنٍ مرفوعًا: «من قُتِل دون مظلمته فهو شهيدٌ». وعند الدَّارقُطنيِّ وصحَّحه من حديث ابن عمر: «موت الغريب شهادة» [1]. وفي حديث أبي هريرة عند ابن حبَّان: «المرابط». وللطَّبرانيِّ من حديث ابن عبِّاسٍ: «اللَّديغ والَّذي يفترسه السَّبع» ولأبي داود في [2] حديث أمِّ حرام: «المائد في البحر الَّذي يصيبه القيء له أجر شهيدٍ». و«من قال حين يصبح ثلاث مرَّاتٍ: أعوذ بالله السَّميع العليم من الشَّيطان الرَّجيم، وقرأ ثلاث آياتٍ من آخر سورة الحشر... فإنْ مات من يومه مات شهيدًا» قال التِّرمذيُّ: حديثٌ [3] حسنٌ غريبٌ. وعند أبي نُعيمٍ عن ابن عمر: «مَن صلَّى الضُّحى، وصام ثلاث أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، ولم يترك الوتر؛ كُتِب له أجرُ شهيدٍ». وعن أبي ذرٍّ وأبي هريرة: «إذا جاء الموتُ طالبَ العلم وهو على حاله مات شهيدًا». رواه ابن عبد البرِّ في «كتاب العلم» وعند الخطيب في «تاريخه» في [4] ترجمة محمَّد بن داود الأصبهانيِّ من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: «مَن عشق فعفَّ وكتم فمات فهو شهيدٌ» ورواه السَّرَّاج في «مصارع العشَّاق»: «مَن عشق فظفر فعفَّ فمات مات شهيدًا» والمراد بشهادة [5] هؤلاء كلِّهم غير المقتول في سبيل الله أن يكون لهم في الآخرة ثواب الشُّهداء فضلًا منه سبحانه وتعالى.
وقد قسَّم العلماء الشُّهداء ثلاثة أقسامٍ: شهيدٌ في الدُّنيا والآخرة وهو المقتول في حرب الكفَّار، وشهيدٌ في الآخرة دون أحكام الدنيا وهم المذكورون هنا، وشهيدٌ في الدُّنيا دون الآخرة؛ وهو من غلَّ في الغنيمة، أو قُتِل مدبرًا. والشَّهيد: فَعِيلٌ، من الشُّهود بمعنى: مَفْعول، لأنَّ الملائكة تحضره وتبشِّره بالفوز والكرامة، أو بمعنى: فاعل، لأنَّه يلقى ربَّه، ويحضر عنده كما قال تعالى: {وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الحديد: 19] أو من الشَّهادة فإنَّه بيَّن صدقه في الإيمان والإخلاص في الطَّاعة ببذل النَّفس في سبيل الله، أو يكون تِلْوَ الرُّسل في الشَّهادة على الأمم يوم القيامة، ومن مات بالطَّاعون أو بوجع البطن، أو نحوهما ممَّا مرَّ يلحق بمن قُتِل في سبيل الله لمشاركته إيَّاه في بعض ما ينال من الكرامة بسبب ما كابده من الشِّدَّة، لا في جملة الأحكام والفضائل.
وهذا الحديث قد سبق في «الصَّلاة» [خ¦653]، وأخرجه التِّرمذيُّ في «الجنائز»، والنَّسائيُّ في «الطِّب».
ج5ص59


[1] قوله: «شهادة» من سنن الدارقطني والفتح.
[2] في (د): «من».
[3] «حديثٌ»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[4] في (ب): «من».
[5] في (م): «شهادة».