إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث أنس: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب

3063- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الدَّورقيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ) بضمِّ العين وفتح اللَّام وتشديد التَّحتيَّة، إسماعيل بن إبراهيم البصريُّ و«عُلَيَّة» أمُّه (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) العدويِّ أبي نصرٍ البصريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
ج5ص176
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لمَّا التقى النَّاس بمؤتة، وكُشِفَ له [1] ما بينه وبينهم حتَّى نظر إلى معتركهم [2] (فَقَالَ: أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ) هو ابن حارثة (فَأُصِيبَ) أي: فقُتِل (ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ) هو ابن أبي طالبٍ (فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ) الأنصاريُّ (فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) المخزوميُّ سيف الله (عَنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ) أي: صار أميرًا بنفسه من غير أن يُفوِّض الإمام إليه، وهو متعلِّقٌ بـ «خالد بن الوليد» ففي «المغازي» [خ¦4261] من هذا الكتاب من حديث ابن عمر قال: أمر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إِن قُتِلَ زيدٌ فجعفرٌ، وإِن قُتِل جعفرٌ فعبد الله بن رواحة، ويروى: ((مِن غير إمرةٍ)) (فَفُتِحَ عَلَيْهِ، وَمَا) ولأبي ذَرٍّ: ((ففتح الله عليه فما)) (يَسُرُّنِي أَوْ قَالَ: مَا [3] يَسُرُّهُمْ) أي: المقتولين (أَنَّهُمْ عِنْدَنَا) لأنَّ حالهم فيما هم فيه خيرٌ ممَّا لو كانوا عندنا، والشَّكُّ من الرَّاوي (وَقَالَ) أنسٌ: (وَإِنَّ عَيْنَيْهِ) عليه السلام (لَتَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرَّاء: تسيلان دمعًا، ويُؤخَذ من الحديث _كما قاله ابن المُنَيِّر_ أنَّ مَن تعيَّن لولايةٍ وتعذَّرت مراجعة الإمام أنَّ الولاية تثبت لذلك المتعيَّن شرعًا، وتجب طاعته حكمًا، أي: إذا اتَّفق عليه الحاضرون، وأنَّ الإمام لو عهد إلى جماعةٍ مرتَّبين، فقال الخليفة: بعد موتي فلانٌ وبعد موته فلانٌ جاز، وانتقلت الخلافة إليهم على ما رتَّب، كما رتَّب رسول الله [4] صلَّى الله عليه وسلَّم أمراء جيش غزوة مؤتة، فلو مات الأوَّل في حياة الخليفة فالخلافة للثَّاني، ولو مات الأوَّل والثَّاني في حياته فهي للثَّالث، ولو مات الخليفة وبقي الثَّلاثة أحياء فانتصب الأوَّل للخلافة، ثمَّ أراد أن يعهد بها إلى غير الآخرين؛ فالظاهر من مذهب الشَّافعيِّ جوازه؛ لأنَّها لمَّا انتهت إليه صار أملك بها، بخلاف ما إذا مات ولم يعهد إلى أحدٍ، فليس لأهل البيعة أن يبايعوا غير الثَّاني، ويُقَدَّم عهد الأوَّل على اختيارهم، والعهد موقوفٌ على قبول [5] المعهود إليه، واختُلِف في وقت قبوله فقيل: بعد موت الخليفة، والأصحُّ أنَّ وقته ما بين عهد الخليفة وموته قاله في «الرَّوضة» وأشار إليه المهلَّب، واعترضه صاحب «المصابيح» من المالكيَّة: بأنَّ الإمامة حينئذٍ ترجع إلى أنَّها حبسٌ على الخليفة، يتحكَّم فيها إلى يوم القيامة، فيقول: فلانٌ بعد فلانٍ، وعَقِب فلان بعد [6] عقب [7] فلان، ولا يصلح [8] هذا في مصالح المسلمين المختلفة باختلاف الأوقات.
ج5ص177


[1] «له»: ليس في (د).
[2] في (م): «معركتهم».
[3] في (م): «فما».
[4] «رسول الله»: ليس في (د).
[5] في (ص): «المقبول» وليس بصحيحٍ.
[6] «بعد»: ليس في (ص).
[7] «عقب»: ليس في (د) و(م).
[8] في (م): «يصحُّ».