إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: غزوت مع رسول الله فتلاحق بي النبي وأنا على ناضح

2967- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه قال: (أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) بالجيم، هو ابن عبد الحميد بن قُرْطٍ _بضمِّ القاف وسكون الرَّاء وبعدها طاءٌ مهملةٌ_ الضَّبيُّ الكوفيُّ (عَنِ
ج5ص123
الْمُغِيرَةِ) بن مِقْسَمٍ، بكسر الميم (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) غزوة تبوك كما في «البخاريِّ» [خ¦2718] أو ذات الرِّقاع كما في «طبقات ابن سعدٍ»، أو الفتح كما في «مسلمٍ» بلفظ: أقبلنا من مكَّة إلى المدينة (قَالَ [1]: فَتَلَاحَقَ بِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ لَنَا) بنونٍ وضادٍ معجمةٍ، بعيرٌ يُستقَى عليه، وسُمِّيَ بذلك لنضحه بالماء حال سقيه، وعند البزَّار: أنَّه كان أحمر (قَدْ أَعْيَا) بهمزةٍ مفتوحةٍ قبل العين السَّاكنة، أي: تعب وعجز عن المشي (فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَقَالَ لِي) عليه الصلاة والسلام: (مَا لِبَعِيرِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ [2]: عَيِيَ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((أعيا)) بالهمزة قبل العين (قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ولأبي ذَرٍّ: سقوط التَّصلية (فَزَجَرَهُ، وَدَعَا لَهُ) ولمسلمٍ وأحمدَ: فضربه برجله، ودعا له، وفي رواية يونس بن بكيرٍ عن زكريا عند الإسماعيليِّ: فضربه رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودعا له، فمشى مشيةً ما مشى قبل ذلك مثلها (فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيِ الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي) عليه الصلاة والسلام: (كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بِخَيْرٍ قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ؟) بنونٍ وتحتيَّةٍ بعد العين، ولابن عساكر: ((أفتبيعه؟)) بإسقاطهما (قَالَ [3]: فَاسْتَحْيَيْتُ) منه (وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ) له عليه الصلاة والسلام: (نَعَمْ. قَالَ: فَبِعْنِيهِ) زاد في «الشُّروط» [خ¦2718] «بأوقيَّةٍ» (فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ) بفتح الفاء، خرزات عظام الظَّهر، وهي مفاصل عظامه، أي: على أنَّ لي الرُّكوب عليه (حَتَّى) أي: إلى أن (أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ) وفي «الشُّروط» [خ¦2718] وغيره: فاستثنيت حُملانه إلى أهلى _بضمِّ الحاء_ أي: الحمل، والمفعول محذوفٌ، أي: حملانه إيايَّ، أو متاعي، أو نحو ذلك، فالمصدر مضافٌ للفاعل. واختُلِفَ في جواز بيع الدَّابَّة بشرط ركوب البائع، فجوَّزه المؤلِّف لكثرة رواية الاشتراط، وعليه أحمد، وجوَّزه مالكٌ إذا كانت المسافة قريبةً، ومنعه الشَّافعيُّ وأبو حنيفة مطلقًا لحديث النَّهي عن بيعٍ وشرطٍ. وأُجيبَ عن هذا الحديث: بأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يرد حقيقة البيع، بل أراد أن يعطيه الثَّمن بهذه الصُّورة، أو أنَّ الشَّرط لم يكن في نفس العقد، بل كان سابقًا أو لاحقًا، فلم يؤثِّر في العقد [4]، ووقع عند النَّسائيِّ: «أخذته بكذا، وأعرتك ظهره إلى المدينة» فزال الإشكال، لكن اختلف فيها حمَّاد بن زيدٍ وسفيان بن عيينة، وحمَّادٌ أعرف بحديث أيُّوبَ من سفيان، والحاصل: أنَّ الذَّين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عددًا من الَّذين خالفوهم، وهذا وجهٌ من وجوه التَّرجيح، فيكون أصحَّ، ويترجَّح أيضًا [5] بأنَّ الَّذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادةٌ، وهم حفاظ، فيكون حجَّةً (قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي عَرُوسٌ) يستوي فيه الذَّكر والأنثى، وفي «النِّكاح» [خ¦5079] قريب عهدٍ بعرسٍ، أي: قريب عهد بالدُّخول على المرأة (فَاسْتَأْذَنْتُهُ) عليه الصلاة والسلام في التَّقدُّم (فَأَذِنَ لِي، فَتَقَدَّمْتُ النَّاسَ إِلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَنِي خَالِي) اسمه: ثعلبة بن غنمة [6] بن عديِّ بن سنان، وله خالٌ آخر، اسمه: عمرو بن غنمة، وعند ابن عساكر: اسمه الجَدُّ _بفتح الجيم وتشديد الدَّال_ ابن قيسٍ، وقد ذكروا أنَّه خاله من جهةٍ مجازيَّةٍ [7]، فيحتمل أن يكون الَّذي لامه على بيع الجمل أيضًا؛ لأنَّه كان يُتَّهم بالنِّفاق، بخلاف ثعلبة وعمرو ابني غنمة (فَسَأَلَنِي عَنِ الْبَعِيرِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ) ولأبي ذَرٍّ: ((صنعت به)) (فَلَامَنِي) على بيعه من جهة أنَّه ليس لنا ناضحٌ غيره، ولأحمد من رواية نُبَيح _بضمِّ النُّون وفتح الموحَّدة، آخره حاءٌ مهملةٌ_ فأتيت عمَّتي بالمدينة، فقلت لها: ألم تري أنِّي بعت ناضحنا [8]، فما رأيت أعجبها ذلك. الحديث. واسمها: هند بنت عمرٍو، ويحتمل أنَّهما جميعًا لم يعجبهما بيعه لما ذكرَ من أنَّه لم يكن عنده ناضح غيره.
(قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ) في التَّقدُّم إلى المدينة: (هَلْ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ) تزوَّجت (ثَيِّبًا؟) قال ابن مالكٍ في «توضيحه»: فيه شاهدٌ على أنَّ «هل» قد [9] قع موقع الهمزة المستفْهَم بها عن التَّعييِّن، فتكون «أَمْ» بعدها متَّصلةً غير منقطعةٍ، لأنَّ استفهام النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جابرًا لم يكن إلَّا بعد علمه بتزوُّجه إمَّا بكرًا وإمَّا ثيِّبًا، فطلب منه
ج5ص124
الإعلام بالتَّعيين كما كان يطلب بـ «أي»، فالموضع إذًا موضع الهمزة، لكن استغنى عنها بـ «هل» وثبت بذلك أَنَّ «أَمْ» المتَّصلة قد تقع بعد «هل» [10] كما تقع بعد الهمزة. انتهى. وتعقَّبه في «المصابيح» فقال: يمكن أن يقال: لا نسلِّم أنَّها في الحديث متَّصلةٌ، ولِمَ لا يجوز أن تكون منقطعة، و«ثيِّبًا» مفعولٌ بفعلٍ محذوفٍ، فاستفهم [11] أوَّلًا، ثمَّ أضرب، واستفهم ثانيًا، والتَّقدير: أتزوَّجت ثيِّبًا؟ قال: ولا شكَّ أنَّ المصير إلى هذا أَولى لما في الأوَّل من إخراج «أَمْ» عمَّا عُهِدَ فيها من كونها لا تعادل إلَّا الهمزة (فَقُلْتُ) له عليه الصلاة والسلام: (تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا) هي سُهَيلة بنت معوِّذٍ الأوسيَّةَ (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام بفاءٍ قبل القاف: (هَلَّا) بغير فاءٍ قبل الهاء، ولأبي ذَرٍّ: ((قال: فهلَّا)) (تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) المراد: الملاعبة المشهورة، بدليل مجيئه في روايةٍ أخرى بلفظ: «تضاحكها وتضاحكك» (فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُوُفِّي وَالِدِي، أَوِ [12] اسْتُشْهِدَ، وَلِي أَخَوَاتٌ صِغَارٌ) ولمسلم: قلت: إنَّ عبد الله هلك، وترك تسع بناتٍ (فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ مِثْلَهُنَّ، فَلَا تُؤَدِّبُهُنَّ) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: ((فلا تؤدِّبَهنَّ)) بالنَّصب (وَلَا تَقُومُ) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: ((ولا تقومَ)) بالنَّصب (عَلَيْهِنَّ، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا لِتَقُومَ عَلَيْهِنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ) بالرَّفع، ولأبي ذَرٍّ: بالنَّصب (قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ، وَرَدَّهُ) أي: البعير (عَلَيَّ) فحصل لجابرٍ الثَّمن والمثمَّن معًا. وفي رواية مغيرة [13] الماضية في «الاستقراض» [خ¦2406] فأعطاني ثمنَ الجمل، والجملَ، وسهمي مع القوم، وكلُّها بطريق المجاز؛ لأنَّ العطيَّة إنَّما كانت بواسطة بلالٍ كما رواه مسلمٌ من هذا الوجه، فلمَّا قدمت المدينة قال لبلالٍ: «أعطِه أوقيَّةً من ذهبٍ، وزِده» قال: فأعطاني أوقيَّةً، وزادني قيراطًا، فقلت [14]: لا تفارقني زيادة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
(قَالَ الْمُغِيرَةُ) المذكور بالسَّند السَّابق أو هو من التَّعليقات: (هَذَا) أي: البيع بمثل هذا الشَّرط (فِي قَضَائِنَا) حكمِنا (حَسَنٌ، لَا نَرَى بِهِ [15] بَأْسًا) لأنَّه أمرٌ معلومٌ لا خداع فيه ولا موجب للنِّزاع.
وهذا الحديث ذكره المؤلِّف في عشرين موضعًا [16]، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
ج5ص125


[1] «قال»: ليس في (د).
[2] في (م): «فقلت قد».
[3] «قال»: ليس في (ص) و(م).
[4] قوله: «بهذه الصورة... في العقد»: سقط من (ص).
[5] «أيضًا»: ليس في (د).
[6] في (ب) و(س): «عنمة» وكذا في المواضع اللَّاحقة.
[7] في (م): «محارمه» ولعلَّه تحريفٌ.
[8] في (ص): «ناضحًا» في مسند أحمد: «بعتُ ناضحنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتها أعجبها..».
[9] «قد»: ليس في (م).
[10] في (م): «بعدها».
[11] في (م): «استفهم».
[12] «أو»: ليس في (ص).
[13] في كل الأصول: «معمر» وهو سبق قلم، والتصحيح من الصحيح وفتح الباري. وانظر الحديث (2406).
[14] في (م): «فقال».
[15] في (م): «فيه».
[16] انظر: [خ¦2097] [خ¦2309] [خ¦2385] [خ¦2394] [خ¦2406] [خ¦2470] [خ¦2603] [خ¦2604] [خ¦2718] [خ¦2861] [خ¦3087] [خ¦3089] [خ¦3090] [خ¦4052] [خ¦5079] [خ¦5080] [خ¦5243] [خ¦5244] [خ¦5245] [خ¦5246] [خ¦5247] [خ¦5367] [خ¦6387].