إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اللهم إن العيش عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجره

2834- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) [1] البغداديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم الفزاريُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) بضمِّ الحاء [2] المهملة وفتح الميم مصغَّرًا، الطَّويل، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْخَنْدَقِ) في شوَّال سنة خمسٍ من الهجرة (فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ) فيه بكسر الفاء حال كونهم (فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ) الحفر (لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى) عليه الصلاة والسلام (مَا بِهِمْ) أي: الأمر المتلبَّس بهم (مِنَ النَّصَبِ) أي: التَّعب (وَالْجُوعِ قَالَ) عليه الصلاة والسلام محرِّضًا لهم على عملهم الَّذي هو بسبب [3] الجهاد: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ) أي المعتبر أو الباقي المستمرَّ (عَيْشُ الآخِرَهْ) لا عيش الدُّنيا (فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ) بضمِّ الميم وكسر الجيم، و«للأنصار»: بلام الجرِّ، ويخرج به عن الوزن، وفي نسخةٍ: ((فاغفر الأنصار))بالألف بدل اللَّام [4]، وهذا من قول ابن رواحة، تمثَّل به النَّبيُّ [5] صلَّى الله عليه وسلَّم. قال الدَّاوديُّ: وإنَّما قال ابن رواحة: لاهمَّ، بلا ألفٍ ولا لامٍ، فأتى به بعض الرُّواة على المعنى، وإنَّما يتَّزن هكذا، وتعقَّبه في «المصابيح»، فقال: هذا توهيمٌ للرُّواة من غير داعٍ إليه، فلا يمتنع أن يكون ابن رواحة قال: «اللهمَّ» بألفٍ ولامٍ على جهة الخَزم، يعني بالخاء [6] المعجمة والزَّاي، وهو الزِّيادة على أوَّل البيت حرفًا فصاعدًا إلى أربعة، وكذا على أوَّل النِّصف الثَّاني حرفًا أو اثنين على الصَّحيح، هذا أمرٌ لا نزاع فيه بين العَروضيِّين، ولم يقل أحدٌ منهم بامتناعه وإن لم يستحسنوه، ولا قال أحدٌ إنَّ الخَزم يقتضي إلغاء ما هو فيه، حتَّى إنَّه لا يُعَدُّ شعرًا، نعم، الزِّيادة لا يُعتَدُّ بها في الوزن، ويكون ابتداء النَّظم ما بعدها، فكذا ما نحن فيه. انتهى. وقال ابن بطَّالٍ: ليس هو من قوله عليه الصلاة والسلام، ولو كان لم يكن به شاعرًا، وإنَّما يسمَّى به مَن قَصدَ صناعته، وعلم السَّبب والوتد وجميعَ معايبه [7] من الزِّحاف والخَزم والقَبض ونحو ذلك. انتهى. وفيه نظرٌ لأنَّ شعراء العرب لم يكونوا يعلمون ما ذكره من ذلك (فَقَالُوا) الأنصار والمهاجرة حال كونهم (مُجِيبِينَ لَهُ) عليه الصلاة والسلام: (نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا) ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((بايَعْنا)) (مُحَمَّدًا عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِيْنَا أَبَدًا).
ج5ص62


[1] في (د): «عمر»، وهو تحريفٌ.
[2] «الحاء»: ليس في (د).
[3] في (ب) و(د): «سبب».
[4] قوله: «وللأنصار... بدل اللام»: وقع في (ص) بعد لفظ: «الدَّاودي».
[5] «النَّبي»: سقط من (م).
[6] في (ص): «بفتح الخاء».
[7] في (د) و(م): «معانيه» كذا في فتح الباري.