إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن فاطمة سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله

3092- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأويسيُّ العامريُّ قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) _بسكون العين_ ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ القرشيُّ الزُّهريُّ (عَنْ صَالِحٍ) هو ابن كيسان (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ) الزَّهراء (عليها السلام ابْنَةَ) ولأبي ذرٍّ: ((بنت)) (رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) رضي الله عنه (بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا مَا تَرَكَ) بدلٌ من قوله: «ميراثها» أو عطف بيانٍ، ولابن عساكر وأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((ممَّا ترك)) (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ) وهو ما أُخِذ من الكفَّار على سبيل الغلبة بلا قتالٍ ولا إيجافٍ، أي: إسراع خيلٍ أو ركابٍ أو نحوهما من جزيةٍ، أو ما هربوا عنه لخوفٍ أو غيره، أو صُولِحوا عليه بلا قتالٍ، وسُمِّي فيئًا لرجوعه من الكفَّار إلى المسلمين، وأمَّا الغنيمة فهي ما أُخِذ من الكفَّار بقتالٍ أو إيجافٍ ولو بعد انهزامهم، وما أُخِذ من دارهم اختلاسًا أو سرقةً أو لقطةً، ولم تحلَّ الغنيمة إلَّا لنا، وقد كانت في أوَّل الإسلام له صلى الله عليه وسلم خاصَّة يصنع فيها ما يشاء، وعليه يُحمَل إعطاؤه صلى الله عليه وسلم من لم يشهد بدرًا، ثمَّ نُسِخ بعد ذلك فخُمُسه كالفيء لآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ} [الأنفال: 41] وسُمِّيت بذلك لأنَّها فضلٌ وفائدةٌ محضةٌ [1]، والمشهور: تغاير الفيء والغنيمة، وقيل: يقع اسم كلٍّ منهما على الآخر إذا أُفرِد، فإن جُمِع بينهما افترقا، كالفقير والمسكين، وقيل: اسم الفيء يقع على الغنيمة دون العكس، وقد كان عليه السلام يخمِّس الفيء خمسة أخماسٍ لآية: {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ} [الحشر: 7] ويقسم خُمُسَه على خمسة أسهمٍ، فالقسمة [2] من خمسةٍ وعشرين، سهمٌ منها له عليه الصلاة والسلام كان يُنفِق منه على مصالحه، وما فَضَلَ منه يصرفُه في السِّلاح وسائر المصالح، وأمَّا بعد وفاته عليه السلام فَمصْرِفُ هذا السَّهم المصالحُ العامَّة، كسدِّ الثُّغور وعمارة الحصون والقناطر وأرزاق القضاة والأئمَّة، والسَّهم الثَّاني: لذوي القربى [3] _بني هاشمٍ وبني المطَّلب_ والثَّالث: لليتامى الفقراء، والرَّابع والخامس: للمساكين وابن السَّبيل، وأمَّا الأربعة الأخماس فهي للمرتزقة، وهم المُرصَدون للجهاد بتعيين الإمام، وكانت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حياته مضمومةً إلى خُمُس الخُمُس، فجملة ما كان له من الفيء [4] أحدٌ وعشرون سهمًا، سهمٌ منها للمصالح كما مرَّ، والمراد: أنَّه كان يجوز له أن يأخذ ذلك لكنَّه لم يأخذه، وإنَّما كان يأخذ خُمُس الخُمُس كما مرَّ، وأمَّا الغنيمة فلخُمُسها حكم [5] الفيء، فيُخمَّس خمسة أسهمٍ للآية، وأربعة أخماسها للغانمين، وقال الجمهور: مصرف الفيء كلِّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفه بحسب المصلحة لقول عمر الآتي [خ¦3094]: «فكانت هذه خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم».
ج5ص191
3093- (فَقَالَ لَهَا) أي: لفاطمة رضي الله عنها (أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) وفي رواية مَعْمَرٍ عن الزُّهريِّ في «الفرائض» [خ¦6726]: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لَا نُورَثُ) _بالنُّون_ وفي حديث الزُّبير عند النَّسائيِّ: «إنَّا _معاشر الأنبياء_ لا نُورَث» (مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) بالرَّفع خبر المبتدأ الَّذي هو «ما تركنا»، والكلام جملتان: الأولى فعليَّة، والثَّانية اسميَّة، قال ابن حجرٍ في «فتح الباري»: ويؤيِّده وروده في بعض طرق «الصَّحيح»: «ما تركنا [6] فهو صدقةٌ» [خ¦3094] وحرَّفه الإماميَّة فقالوا: «لا يُورَث» بالمثنَّاة التَّحتيَّة بدل النُّون، و«صدقةً» نُصِب على الحال، و«ما تركنا» مفعولٌ لما لم يُسَمَّ فاعله، فجعلوا الكلام جملةً واحدةً، ويكون المعنى: أنَّ [7] ما يُترَك صدقةً لا يُورَث، وهذا تحريفٌ يُخرِج الكلام عن نمط الاختصاص الَّذي دلَّ عليه قوله عليه السلام في بعض الطُّرق: «نحن _معاشر الأنبياء_ لا نُورَث» ويعود الكلام بما [8] حرَّفوه إلى أمرٍ لا يختصُّ به الأنبياء؛ لأنَّ آحاد الأمَّة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقةً انقطع حقُّ الورثة عنها، فهذا من تحاملهم أو تجاهلهم، وقد أورده بعض أكابر الإماميَّة على القاضي شاذان صاحب القاضي أبي الطَّيِّب، فقال _أي: القاضي شاذان [9]، وكان ضعيف العربيَّة قويًّا في علم الخلاف_: لا أعرف [10] نصب «صدقة» من رفعها، ولا أحتاج إلى علمه، فإنَّه لا خفاء بي ولا [11]بك أنَّ فاطمة وعليًّا من أفصح العرب، لا تبلغ أنت ولا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كانت لهما حجَّةٌ فيما لحظته لأبدياها حينئذٍ لأبي بكرٍ، فسكت ولم يُحِرْ جوابًا. وإنَّما فعل الإماميَّة ذلك لِمَا يلزمهم على رواية الجمهور من فساد مذهبهم، لأنَّهم يقولون: بأنَّه [12] صلى الله عليه وسلم يُورَث كما يُورَث غيره من عموم المسلمين لعموم الآية الكريمة، وذهب النَّحَّاس إلى أنَّه يصحُّ النَّصب على الحال، وأنكره القاضي لتأييده مذهب الإماميَّة، لكن قدَّره ابن مالكٍ [13]: ما تركناه متروكٌ صدقةً، فحُذِف الخبر وبقي الحال كالعوض منه، ونظيره قراءة بعضهم: {{وَنَحْنُ عُصْبَةً}} [يوسف: 8].
(فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) وفي رواية مَعْمَرٍ [خ¦6726]: «فهَجَرَتْهُ فاطمةُ، فلم تكلِّمه حتَّى ماتت»، ووقع عند عمر بن شبَّة من وجهٍ آخر عن مَعْمَرٍ: «فلم تكلِّمه في ذلك المال» ولذا نقل التِّرمذيُّ عن بعض مشايخه: أنَّ معنى قول فاطمة لأبي بكرٍ وعمر: لا أكلِّمكما، أي: في هذا الميراث، وتُعقِّب بأنَّ قرينة قوله: «غضبت» يدلُّ على أنَّها امتنعت من الكلام جملةً، وكذا صريح الهجر قاله في «الفتح» وقال الكرمانيُّ: وأمَّا غضب فاطمة فهو أمرٌ حصل على مقتضى البشريَّة وسكن بعد ذلك، أو الحديث كان متأوَّلًا عندها بما فضل عن [14] معاش الورثة وضروراتهم ونحوها، وأمَّا هجرانها فمعناه: انقباضها عن لقائه، لا الهجران المُحرَّم من ترك السَّلام ونحوه، ولفظ «مُهاجِرته» بصيغة اسم الفاعل لا المصدر. انتهى. ولعلَّ فاطمة رضي الله عنها لمَّا خرجت غضبى من عند أبي بكرٍ تمادت في اشتغالها بشأنها ثمَّ بمرضها، والهجران المُحرَّم إنَّما هو أن يلتقيا فيُعرِض هذا وهذا (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها: (وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ) سهمه في (خَيْبَرَ) _بعدم الصَّرف_ وهو الخُمُس (وَفَدَكٍ) بفتح الفاء والدَّال المُهمَلة بالصَّرف، ولأبي ذرٍّ: ((وفَدَكَ)) بعدمه، بلدٌ بينها وبين المدينة ثلاث مراحل، وكانت له صلى الله عليه وسلم خاصَّةً (وَصَدَقَته بِالْمَدِينَةِ) بنصب «صدقته» [15] عطفًا على المنصوب السَّابق، وبالجرِّ عطفًا على المجرور، أي: نخل بني النَّضير الَّتي في أيدي بني فاطمة، وكانت قريبةً من المدينة، ووصيَّة مُخَيريق يوم أُحُدٍ، وكانت سبع حوائط في بني النَّضير، وما أعطاه الأنصار من أرضهم، وحقُّه من الفيء من أموال بني النَّضير، وثلث أرض وادي القرى أخذه في الصُّلح حين صالح اليهود، وحصنان من حصون خيبر _الوطيح والسُّلالم_ حين صالح اليهود، ونصف فَدَكٍ، وسهمه من خُمُس خيبر وما افتُتِح فيها عنوةً (فَأَبَى) أي: امتنع (أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج5ص192
يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ [16]، فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا) بكسر همزة «إن تركت» (مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ) بفتح الهمزة وكسر الزَّاي وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة غينٌ مُعجَمةٌ، أي: أن أميل عن الحقِّ إلى غيره.
قالت عائشة: (فَأَمَّا صَدَقَتُهُ) عليه الصلاة والسلام (بِالْمَدِينَةِ فَدَفَعَهَا عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (إِلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ) لينتفعا منها بقدر حقِّهما، لا على جهة التَّمليك (فَأَمَّا) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: ((وأمَّا)) (خَيْبَرُ) أي [17]: الَّذي يخصُّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم منها (وَفَدَكٌ فَأَمْسَكَهُما [18] عُمَرُ) ولم يدفعهما [19] لغيره (وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ) أي: الَّتي تنزل به [20] (وَنَوَائِبِهِ) أي: الحوادث الَّتي تصيبه (وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ) بعده عليه الصلاة والسلام، فكان أبو بكرٍ رضي الله عنه يقدِّم نفقات [21] أمَّهات المؤمنين وغيرها ممَّا كان يصرفه عليه الصلاة والسلام فيصرفه من مال خيبر وفَدَكٍ، وما فضل عن [22] ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر بعده بذلك، فلمَّا كان عثمان تصرَّف في فَدَكٍ بحسب ما رأى، فأقطعها لمروان؛ لأنَّه تأوَّل أنَّ الَّذي يختصُّ به صلى الله عليه وسلم يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض أقاربه (قَالَ) الزُّهريُّ حين حدَّث بهذا الحديث: (فَهُمَا) أي: الَّذي كان يخصُّه عليه الصلاة والسلام من خيبرَ وفَدَكٍ (عَلَى ذَلِكَ) يتصرَّف فيهما مَن وُلِّي الأمر (إِلَى الْيَوْمِ).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» في «غزوة خيبر» [خ¦4240].
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ مفسِّرًا لقوله في الحديث: «تعروه» بما في القرآن من قوله تعالى: {إِنْ نَقُولُ إلَّا} ({اعْتَرَاكَ} [هود: 54] افْتَعَلْتَ) بسكون اللَّام وفتح الفوقيَّة، أي: إنَّه من «باب الافتعال» وأصله (مِنْ: عَرَوْتُهُ فَأَصَبْتُهُ، وَمِنْهُ: يَعْرُوهُ واعْتَرَانِي) وهذا وقع في «المجاز» لأبي عبيدة، وسقط قوله «قال أبو عبد الله...» إلى آخره لابن عساكر، وزاد أبو ذرٍّ في رواية الحَمُّويي هنا ترجمةً فقال: ((قصَّة فدكٍ)) وهي زيادةٌ مستغنًى عنها بما سبق في الحديث المتقدِّم.
ج5ص193


[1] «محضة»: ليس في (د).
[2] في (ب) و(ل): «فالغنيمة»، وفي (ص): «فالخمسة».
[3] زيد في (ب) و(س): «من».
[4] زيد في (م): «له» وهو تكرارٌ.
[5] في (م): «فحكمها».
[6] في (ب): «تركناه» والمثبت موافق لما في «صحيح البخاريِّ».
[7] «أنَّ»: ليس في (د1) و(ص).
[8] في (ص): «إلى ما»، وفي (م): «ما» وليس بصحيحٍ.
[9] «أي: القاضي شاذان»: ليس في (د).
[10] في (ص): «أعلم».
[11] «لا»: مثبت من (د) و(م).
[12] في (د): «إنَّه».
[13] «ابن مالك»: ليس في (ص).
[14] في غير (د) و(م): «من».
[15] في (ب): «صدقة» وهو تحريفٌ.
[16] في (م): «عملته» وهو تحريفٌ.
[17] «أي»: ليس في (د).
[18] في (ب) و(ص): «فأمسكها»، وكذا في «اليونينيَّة».
[19] في (ب) و(ص): «يدفعها».
[20] في (ب) و(ص) و(ل): «تنزله».
[21] في غير (د) و(م): «نفقة».
[22] في (د): «من».