إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء

3073- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) [1] القطَّان (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد التَّحتيَّة، يحيى بن سعيدٍ التَّيميِّ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمُ بن عمرو بن جريرٍ البجليُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْغُلُولَ) وهو الخيانة في المغنم كما مرَّ (فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، قَالَ) ولأبي الوقت: ((فقال)): (لَا أَلْقَيَنَّ أَحَدَكُمْ) بفتح الهمزة والقاف من اللِّقاء، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((لا ألِفينَّ)) بفتح الهمزة والفاء وبضمِّ [2] الهمزة وكسر الفاء، من الإلفاء، وهو الوجدان، وهو [3] بلفظ النَّفي المؤكَّد بالنُّون والمراد به: النَّهي، وهو مِثْل قولهم: لا أرينَّك ههنا، وهو ممَّا أُقيمَ فيه المسبَّب مقام السَّبب، والأصل: لا تكن ههنا فأراك، وتقديره في الحديث: لا يغلَّ أحدكم فألفيه، أي: أجده (يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ) بمثلَّثةٍ مضمومةٍ فغينٍ معجمةٍ مخفَّفةٍ فألفٍ ممدودةٍ، صوت الشَّاة، وقول ابن المُنَيِّر: «وما أظنُّ أهل السِّياسة فهموا تجريس السَّارق، وعملته على رقبته ونحو هذا إلَّا من هذا الحديث» تعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه لا يلزم من وقوع ذلك في الدَّار الآخرة جواز فعله في الدنيا لتباين الدَّارين وعدم استواء المنزلتين (عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ [4] حَمْحَمَةٌ) بفتح الحاءَين المهملتَين بينهما ميمٌ ساكنةٌ وبعد الأخيرة ميمٌ أخرى مفتوحةٌ، صوت الفرس إذا
ج5ص181
طلَب علفَه، وهو دون الصَّهيل، وسقط للكُشْمِيهَنيِّ لفظ «فرسٌ» وكذا في رواية ابن شَبُّويه والنَّسفيِّ (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا) من المغفرة، ولابن عساكر: ((لا أملك لك [5] من الله شيئًا)) وسقط للحَمُّويي والمُستملي لفظة «لك» (قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله، فلا عذر لك بعد الإبلاغ، وهذا غايةٌ في الزَّجر، وإلَّا فهو عليه السلام صاحب الشَّفاعة في المذنبين (وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ) بضمِّ الرَّاء وتخفيف الغين المعجمة ممدودًا: صوت البعير (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله (وَ [6]عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ) أي: ذهبٌ أو فضَّةٌ (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) حُكْم الله (أَوْ) بألفٍ قبل الواو، وسقطا معًا لأبي ذَرٍّ (عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ) بكسر الرَّاء وفتح القاف، وبعد الألف عينٌ مهملةٌ، جمع رقعة (تَخْفِقُ) بكسر الفاء، أي: تتقعقع وتضطرب إذا حرَّكتها الرِّياح، أو تلمع، يقال: أخفق الرَّجل بثوبه إذا لمع، وقال الحميديُّ وتبعه الزَّركشيُّ وغيره: أراد ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرِّقاع، وتعقَّبه ابن الجوزيِّ: بأنَّ الحديث سيق لذكر الغلول الحسِّيِّ فحمْلُه على الثِّياب أنسبُ (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغِثْنِي، فَأَقُولُ) له: (لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ) وحكمةُ الحمل المذكور فضيحةُ الحامل على رؤوس الأشهاد في ذلك الموقف العظيم، وقال بعضهم: هذا الحديث يفسِّر قوله تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ} [آل عمران: 161] أي: يأت به [7] حاملًا له على رقبته (وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ فيما وصله مسلمٌ (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) يحيى بن سعيدٍ المذكور: (فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ) كما في الرِّواية الأولى عن غير الكُشْمِيهَنِيِّ وابن شَبُّويه والنَّسفيِّ.
ج5ص182


[1] زيد في (د): «بن»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (م): «وضمِّ».
[3] «هو»: ليس في (م).
[4] في (م): «لها».
[5] «لك»: ليس في (م).
[6] زيد في (ص): «لا».
[7] «به»: ليس في (د1) و(ص).