إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: {فإما منًا بعد وإما فداءً}

(150) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكر فيه التَّخيير بين المنِّ والفداء في الأسرى، لقوله تعالى في سورة القتال: ({فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمَّد: 4] ) أي: فإمَّا تمنُّون منًّا أو تفدون فداءً، والمراد: التَّخيير بعد الأسر بين المنِّ والإطلاق وبين أخذ الفداء. وعن بعض السَّلف: أنَّها منسوخةٌ بقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ} الآية [التَّوبة: 5] والأكثرون على أنَّها محكمةٌ، قال بعضهم: التَّخيير بين القسمين فلا يجوز قتله، والأكثرون منهم [1]، وهو قول أكثر السَّلف على التَّخيير بين [2] المنِّ والمفاداة والقتل والاسترقاق (فِيْهِ) أي: في الباب (حَديثُ ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة، وقد ذكره المؤلِّف في مواضع، ولفظه في «وفد [3] بني حنيفة» من «المغازي» [خ¦4372] بعث النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خيلًا قِبلَ نجدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حنيفة يقال له: ثُمامة بن أُثالٍ، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرج إليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي خيرٌ يا محمَّد، إن تقتلني تقتلْ ذا دمٍ، وإن تُنعمْ تُنعم على شاكرٍ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت حتَّى كان الغد، ثمَّ قال له [4]: «ما عندك يا ثمامة؟» قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكرٍ، فتركه حتَّى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» [5] فقال: عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة» الحديث.
هذا موضع الترجمة منه، فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أقرَّه على ذلك ولم ينكر عليه التَّقسيم، ثمَّ منَّ عليه بعد ذلك، وهو [6] يؤيِّد قول الجمهور: أنَّ الأمر في أسرى الكفَّار من الرِّجال إلى الإمام، يفعل ما هو الأحظُّ للإسلام والمسلمين، وعن مالكٍ: لا يجوز المنُّ بغير فداءٍ، وعن
ج5ص148
الحنفيَّة: لا يجوز المنُّ أصلًا لا بفداءٍ ولا بغيره.
(وَ) في الباب أيضًا (قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ) في سورة الأنفال: ({مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَسْرَى} الآية [الأنفال: 67] ) أي: ما صحَّ وما استقام لنبيٍّ من الأنبياء أن يأخذ أسارى ولا يقتلهم، زاد في رواية أبي ذرٍّ وكريمة: (({حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ})) [الأنفال: 67] يعني: يغلب في الأرض [7]، وهذا تفسير أبي عبيدة، وعن مجاهدٍ: الإثخان: القتل، وقيل: المبالغة فيه، أي: حتَّى يكثر فيعزَّ الإسلام ويذلَّ الكفر ({تُرِيدُونَ [8] عَرَضَ الدُّنْيَا}) حطامها وهو الفداء (الآيَةَ) وتمامها: {وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [الأنفال: 67] يريد لكم ثواب الآخرة، أو سبب نيل الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه، {وَاللهُ عَزِيزٌ} والله عزيزٌ يغلِّب أولياءه على أعدائه {حَكِيمٌ} يعلم ما يليق بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخان ومنع من الافتداء حين كانت الشَّوكة للمشركين، وخُيِّر بينه وبين المنِّ لمَّا تحوَّلت [9] الحال وصارت الغلبة للمؤمنين. نزلت حين جاؤوا بأسارى بدرٍ، فاستشار صلَّى الله عليه وسلَّم فيهم، فقال عمر: هم أئمَّة الكفر، والله أغناك عن الفداء فاضرب أعناقهم، وقال أبو بكرٍ: هم قومك وأهلك لعلَّ الله أن يتوب عليهم، خذ منهم فديةً تقوِّي بها أصحابك، فقبل الفداء، وعفا عنهم.
ج5ص149


[1] «منهم»: ليس في (ص).
[2] في (م): «بعد» وليس بصحيحٍ.
[3] في (ص): «وفدي» وهو تحريفٌ.
[4] «له»: ليس في (ص) و(م).
[5] قوله: «قال ما قلت... يا ثمامة» سقط من (ص).
[6] في (د): «هذا».
[7] زيد في (د): «{تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا}».
[8] في (ل): «يريد»، وفي هامشها: (قوله: «يريد عَرَض...» إلى آخره كذا في الفرع وأصله، كذا بخطِّه، وضرب على الواو والنُّون، وأثبت التَّحتيَّة موضع الفوقيَّة). انتهى.
[9] في (ص): «حُوِّلت»، وفي (د) و(م): «تحوَّل».