إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار

3016- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثَّقفيُّ البلخيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ بُكَيْرٍ) بضمِّ الموحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة والمهملة المخفَّفة، الهلاليِّ المدنيِّ مولى ميمونة أو أمِّ سلمة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كذا أخرجه النَّسائيُّ كالمؤلِّف هنا، وخالف محمَّد بن إسحاق فرواه في «السِّيرة» عن يزيد بن أبي حبيبٍ عن بُكير، فأدخل بين سليمان وأبي هريرة أبا إسحاق الدَّوسيَّ، وسليمان قد صحَّ سماعه من أبي هريرة، وهو غير مدلِّسٍ، فتكون رواية ابن إسحاق من «المزيد في متَّصل الأسانيد» (أَنَّهُ) أي: أبا هريرة (قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ) أميره حمزة بن عمرٍو الأسلميُّ، كما عند أبي داود بإسنادٍ صحيحٍ (فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا) هَبَّار بن الأسود ونافع بن عبد عمرٍو أو غيرهما كما مرَّ [خ¦2954] (فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ) بهمزة قطعٍ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ) للسَّفر وودَّعناه: (إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا) بالتَّشديد، والَّذي في «اليونينيَّة»: بالتَّخفيف (فُلَانًا وَفُلَانًا، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ) عَزَّ وَجَلَّ، خبرٌ بمعنى النَّهي، وهو نسخٌ لأمره السَّابق، وفي رواية ابن لَهيعة: «وإنَّه لا ينبغي» ولابن إسحاق: «ثمَّ رأيت أنَّه لا ينبغي أن يعذِّب بالنَّار إلَّا الله» قال البيضاويُّ: إنَّما مُنِعَ التَّعذيب بالنَّار؛ لأنَّه أشدُّ العذاب، ولذلك أوعدها الكفَّار [1]. وقال
ج5ص147
الطِّيبيُّ: لعلَّ المنع من التَّعذيب بها في الدُّنيا أنَّ الله تعالى جعل النَّار فيها منافع النَّاس وارتفاقهم، فلا يصحُّ منهم أن يستعملوها في الإضرار، ولكن له تعالى أن يستعملها فيه لأنَّه ربُّها ومالكها يفعل ما يشاء من التَّعذيب بها والمنع منه، وإليه أشار بقوله في الحديث الآخر: «ربُّ النار» وقد جمع الله تعالى الاستعمالين في قوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73] أي: تذكيرًا بنار جهنَّم لتكون حاضرةً للنَّاس يذكرون ما أُوعدوا به [2]، وجعلنا بها أسباب المعاش كلَّها. انتهى. وقد اختلف السَّلف في التَّحريق، فكرهه عمر وابن عبَّاسٍ وغيرهما مطلقًا، سواءٌ كان بسبب كفرٍ أو قصاصًا، وأجازه عليٌّ وخالد بن الوليد، وقال المهلَّب: ليس هذا النَّهي على التَّحريم بل على سبيل التَّواضع، وقد سمل عليه الصلاة والسلام أعين العرنيِّين بالحديد المحمَّى، وحرق أبو بكر رضي الله عنه اللَّائط بالنَّار بحضرة الصَّحابة، وتُعُقِّب: بأنَّه لا حجَّة فيه للجواز، فإنَّ قصَّة العرنيين كانت قصاصًا أو منسوخةً [3]، وتجويز الصَّحابي معارضٌ بمنع صحابيٍّ غيره.
(فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا) بالواو والجيم، وفي «باب التَّوديع» [خ¦2954] «فإن أخذتموهما» (فَاقْتُلُوهُمَا).
ج5ص148


[1] في (د1) و(م): «للكفَّار» وليس بصحيحٍ، وعبارة البيضاوي «أوعد بها الكفار».
[2] في (م): «بها».
[3] في (ل): «منسوخًا».