إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت

2915- وبه قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الزَّمِنُ العنزيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحَذَّاءُ (عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عبَّاسٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يوم غزوة بدرٍ (وَهْوَ فِي قُبَّةٍ) كالخيمة من بيوت العرب: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ) بفتح الهمزة وضمِّ الشِّين، أي: أسألك (عَهْدَكَ) أي: بالنَّصر لرسلك (وَوَعْدَكَ) بإحدى الطَّائفتين وهزم حزب الشَّيطان (اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ) هلاك المؤمنين (لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ) وهذا تسليمٌ لأمر الله فيما يشاء أن يفعله، وفيه ردٌّ على المعتزلة القائلين بأنَّ الشَّرَّ غير مراد الله، وإنَّما قال ذلك لأنَّه علم أنَّه خاتم النَّبيِّين، فلو هلك ومن معه حينئذٍ لم يُبعَث أحدٌ ممَّن يدعو إلى الإيمان، وفيه أنَّ نفوس البشر لا يرتفع الخوف عنها، والإشفاق جملةً واحدةً؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام كان وُعِدَ النَّصرَ وهو الوعدُ الَّذي نشده؛ ولذا قال تعالى عن موسى عليه السلام حين ألقى السَّحرة حبالهم وعصيَّهم، فأخبر الله تعالى بعد أن أعلمه أنَّه ناصره وأنَّه معهما يسمع ويرى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 20] (فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (بِيَدِهِ) عليه الصلاة والسلام (فَقَالَ: حَسْبُكَ) أي: يكفيك مناشدتك (يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ) بحاءَين مهملتَين، الأولى مفتوحةٌ، والأخرى ساكنةٌ، داومتَ على [1] الدُّعاء أو بالغتَ وأطلتَ فيه (وَهْوَ فِي الدِّرْعِ) جملةٌ حاليَّةٌ، وهي موضع التَّرجمة (فَخَرَجَ) عليه السلام لمَّا علم أنَّه استُجيبَ له لما وجد أبو بكرٍ في نفسه من القوَّة والطُّمأنينة (وَهْوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ}) أي: سيتفرَّق [2] شملهم ({وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ) أي: الأدبار، وإفراده لإرادة الجنس، أو لأنَّ كلَّ واحدٍ يولِّي دبره، وعند ابن أبي حاتمٍ عن عكرمة: لمَّا نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] قال عمر: أي جمعٍ يُهزَم؟ أيُّ جمعٍ يُغلَب؟ قال عمر: فلمَّا كان يوم بدر رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ج5ص101
يثب في الدِّرع، وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فعرفت تأويلها يومئذٍ ({بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ}) أي: موعد عذابهم الأصليِّ [3] وما يحيق بهم في الدُّنيا، فمن [4] طلائعه ({وَالسَّاعَةُ أَدْهَى}) أشدُّ، والدَّاهية أمرٌ فظيعٌ لا يهتدى لدوائه ({وَأَمَرُّ} [القمر: 46] ) مذاقًا من عذاب الدُّنيا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المغازي» [خ¦3953] و«التَّفسير» [خ¦4875]، والنَّسائيُّ في «التفسير».
(وَقَالَ وُهَيْبٌ) بضمِّ الواو مصغَّرًا، ابن خالد بن عجلان البصريُّ، فيما وصله المؤلِّف في «سورة القمر» [5] [خ¦4875] (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء، أي: عن عكرمة، عن ابن عبَّاسٍ، وزاد: أنَّ الَّذي قاله كان (يَوْمَ بَدْرٍ).
ج5ص102


[1] «على»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ب) و(د1) و(س): «سيفرَّق».
[3] في (د1) و(ص): «الأصيل».
[4] في (م): «من».
[5] زيد في (م): «قال».