إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة

2849- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ قال: (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمامُ (عَنْ نافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أنَّه (قَالَ: قَالَ
ج5ص68
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) لفظٌ عامٌّ، والمراد به الخصوص، أي: الخيل الغازية في سبيل الله، لقوله في الحديث الآخر: «الخيل لثلاثة» [خ¦2860] أو المراد جنس الخيل، أي: أنَّها بصدد أن يكون فيها الخير، فأمَّا من ارتبطها لعملٍ غير صالحٍ فحصول الوزر لطريان ذلك الأمر العارض. ولأبي ذَرٍّ: ((معقودٌ في نواصيها الخير)) فأثبت لفظة [1]: ((معقودٌ)) كالإسماعيليِّ من رواية عبد الله عن مالك عن نافع [2]، وسقطت في «الموطَّأ» كرواية غير أبي ذرٍّ، وكذا في «مسلمٍ» من رواية مالكٍ أيضًا. ومعنى «معقودٌ» ملازمٌ لها كأنَّه معقودٌ فيها. قال في «شرح المشكاة»: ويجوز أن يكون الخير المفسَّر بالأجر والغنيمة _أي: في الحديث الآتي في الباب اللَّاحق [خ¦2852]_ استعارةً مكنيَّةً، لأنَّ الخير ليس بشيءٍ محسوسٍ حتَّى تعقد عليه النَّاصية، لكنَّه شبَّهه لظهوره وملازمته بشيءٍ محسوسٍ معقودٍ يحلُّ على مكانٍ مرتفعٍ، فنسب الخير إلى لازم المشبَّه به، وذكر النَّاصية تجريدًا للاستعارة، والحاصل أنَّهم يدخلون المعقول في جنس المحسوس، ويحكمون عليه بما يُحكَم به [3] على المحسوس مبالغة في اللُّزوم، والمراد بالنَّاصية هنا الشَّعر المسترسل من مقدَّم الفرس، وقد يُكنَّى بالنَّاصية عن جميع ذات الفرس. قال الوليُّ ابن العراقيِّ: ويمكن أنَّه أُشيرَ بذكر النَّاصية إلى أنَّ الخير إنَّما هو في مقدَّمها؛ للإقدام به على العدوِّ، دون مؤخَّرها لما فيه من الإشارة إلى الإدبار.
وفي هذا الحديث _كما قاله القاضي عياضٌ_ مع وجيز لفظه [4] من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن مع [5] الجناس الَّذي بين الخيل والخير، وقال ابن عبد البرِّ: فيه تفضيل الخيل على سائر الدَّوابِّ؛ لأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يأت عنه [6] في غيرها مثل هذا القول. وروى النَّسائيُّ عن أنسٍ: لم يكن شيءٌ أحبَّ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد النِّساء من الخيل، وفي «طبقات ابن سعدٍ» عن عُريب _بضمِّ المهملة_ المليكيِّ: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سُئِلَ عن قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] مَن هم؟ قال عليه الصلاة والسلام: «هم أصحاب الخيل»، ثمَّ قال: «إنَّ المنفق على الخيل كباسط يده بالصَّدقة لا يقبضها، وأبوالها وأرواثها كذكيِّ المسك يوم القيامة». ويُروَى: أنَّ الفرس إذا التقت الفئتان تقول: سبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح، وهو أشدُّ الدَّواب عَدْوًا، وفي طبعه الخيلاء في مشيه، والسُّرور بنفسه، والمحبَّةُ لصاحبه، وربما عمَّر الفرس إلى تسعين سنةً.
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ [7] أيضًا في «المغازي».
ج5ص69


[1] في (د): «لفظ».
[2] في (ص) و(م): «نافع عن مالك» وهو خطأٌ.
[3] «به»: مثبتٌ من (ب) و(د1) و(س).
[4] في (م): «ألفاظه».
[5] في (م): «من».
[6] في (م): «منه».
[7] «مسلم»: ليس في (د).