إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لما نزلت: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين} دعا رسول الله

2831- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيِّ الكوفيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) بن عازبٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ) أي: كادت أن تنزل ({لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا) هو ابن ثابتٍ الأنصاريّ (فَجَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((فجاءه)) (بِكَتِفٍ) بفتح الكاف وكسر المثنَّاة الفوقيَّة، عظمٌ عريضٌ يكون في أصل كتف الحيوان، كانوا يكتبون فيه لقلَّة القراطيس (فَكَتَبَهَا) فيه. وفي رواية خارجةَ بن زيد بن ثابتٍ عن أبيه عند أحمد وأبي داود: إنِّي لقاعدٌ إلى جنب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذ أُوحيَ إليه وغشيته السَّكينة، فوضع فخذه على فخذي. قال زيدٌ: فلا والله ما وجدت شيئًا قطُّ أثقل منها، فصرَّح خارجة بأنَّ نزولها كان بحضرة زيدٍ، فيُحمَل [1] قوله في رواية الباب: «دعا زيدًا فكتبها» على أنَّه [2] لمَّا كادت أن تنزل كما مرَّ.
(وَشَكَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) عمرو أو عبد الله بن زائدة العامريُّ، وأمُّ مكتومٍ أمُّه، واسمها: عاتكة (ضَرَارَتَهُ) بفتح الضَّاد المعجمة، أي: ذهابَ بصره (فَنَزَلَتْ: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النِّساء: 95] ) .
فإن قلت: لِمَ كرَّر الرَّاوي: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}؟ وهلَّا اقتصر على قوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ}؟ أجاب ابن المُنَيِّر: بأنَّ الاستثناء والنَّعت لا يجوز فصلهما عن أصل الكلام، فلا بدَّ أن تُعاد الآية الأولى حتَّى يتَّصل بها الاستثناء والنَّعت. وقال السَّفاقسيُّ: إن كان الوحي نزل بقوله: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فقط، فكأنَّ الرَّاوي رأى إعادة الآية من أوَّلها حتَّى يتَّصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزِّيادة بعد أن نزل بدونها فقد حكى الرَّاوي صورة الحال. قال ابن حجرٍ: والأوَّل أظهر لرواية سهل بن سعد، فأنزل الله تعالى: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} وقال ابن الدَّمامينيِّ متعقِّبًا لابن المُنَيِّر في قوله: إنَّ
ج5ص60
الاستثناء والوصف لا يجوز فصلهما... إلى آخره: ليس هذا فصلًا، ولا يضرُّ ذكره مجرَّدًا عمَّا قبله، لأنَّ المراد: حكاية الزَّائد على ما نزل أوَّلًا، فيقتصر عليه لأنَّه الَّذي تعلَّق به الغرض، ولذا قال في الطَّريق الثَّانية عن زيدٍ: فأنزل الله تعالى {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فماذا يعتذر به عن زيد بن ثابتٍ مع كونه لم يصل الاستثناء أو النَّعت بما قبله؟ والحقُّ أنَّ كلا الأمرين سائغٌ، ثمَّ إنَّ استثناء {أُوْلِي الضَّرَرِ} يُفهِم التَّسوية بين القاعدين للعذر وبين المجاهدين؛ إذ الحكم المتقدِّم عدم الاستواء، فيلزم ثبوت الاستواء لمن استثنى ضرورة أنَّه لا واسطة بين الاستواء وعدمه.
وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦4593]، ومسلمٌ في «الجهاد».
ج5ص61


[1] في غير (د): «فيُحتَمل».
[2] في (ب): «أنَّها».